Skip to content
المسيحيَّة والإسلام — دراسةٌ مقارِنة

دِراسةٌ مُقارِنة

المسيحيَّة والإسلام

١. اللّه بين المسيحيَّة والإسلام

هناك سؤال يتردَّد دائمًا بين المسيحيّين والمسلمين، هل إله المسلمين هو نفسُه إله المسيحيّين؟ وبعبارة أخرى: هل يعبد المسيحيُّون الإله نفسَه الذي يعبدُه المسلمون؟ أم أنَّ صفات اللّه في المسيحيَّة مختلفة عن صفاته في الإسلام؟

توجد، في واقع الأمر، صفاتٌ مشتركة بين اللّه في الإسلام واللّه في المسيحيَّة. فعلى سبيل المثال، تتّفق العقيدتان على أنَّ اللّه موجود منذ الأزَل إلى الأبد، وأنّه الخالق، وأنّه الإله المدَبّر لكلّ شؤُون الكون، وأنَّه كلّيُّ القدرة وكلّيّ العِلم… إلخ. ولكن هناك صفاتٌ متعَلّقة بماهيَّة اللّه تختلف حولهما العقيدتان. وسنذكرُ بعضَها في هذا الفصل.

اللّه المُضِلّ أو الهَادي

تتضمَّن أسماءُ اللّه الحسنى في الإسلام أسماءً جميلةً كثيرة، مثل الرَّحمن والرَّحيم، والقدُّوس، والسَّلام… وبالمقابل، نجد من ضمنها أيضًا أسماء أخرى لا تليق باللّه، مثل «المُضِلّ»، أو «المتَكَبّر»، أو «الضَّارّ»… لأنَّه إن كان اللّه يضُرُّ الإنسان، ويُضِلُّ الإنسان، ويتكَبَّرُ على الإنسان، فمن الذي سوفَ يساعد الإنسان إذًا؟

نجد في القرآن آياتٍ كثيرةً تتحَدَّث عن كون اللّه يضِلُّ النّاس. فمثلًا يقول: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (سورة النَّحل ٩٣)، ما يعني أنَّ اللّه هو الذي يريدُ أن يجعلَ النَّاس أمَّةً واحدةً مَهدِيَّة، وهو الذي شاء أن يُضِلَّ بعضَهم ويهدي بعضَهم الآخر. فإذا كان اللّه هو الذي يَهدي من يشاء، وهو الذي يُضِلُّ من يشاء، فلماذا الحسابُ إذًا؟

بل نجدُ في بعض آيات القرآن أفكارًا منفّرةً عن اللّه. فهو يقول مفتخرًا متباهيًا بأنَّه يرسِلُ الشّياطين لتُغويَ النَّاس: «أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا» (سورة مريم ٨٣). فاللّه هنا هو الذي يبعَث الشَّياطين لتزيدَ الكافرين ضلالًا. وهو قصدٌ يحبُّ الشَّيطان نفسُه أن يتمِّمَه. وهنا نتساءَل: “هل يعمل الشَّيطان لدى اللّه؟ وهل مقاصد الشَّيطان هي نفسُها مقاصد اللّه؟ وما الفرق بينهما عمليًّا؟ أفلا يستحقُّ الشَّيطان مكافأةً من اللّه على طاعته له؟ هل يُريدُ الضَّلال للبشر؟ وهل يريد أن يحَقّقَ مقاصد الشَّيطان؟”.

تتعارض هذه الفكرة كلّيًا مع الكتاب المقدَّس الذي صرَّح بوضوح أنَّ الهدف من مجيْءِ المسيح هو خلاصُ البشَر، وأنَّ اللّه «يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ» (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٢ آية ٤) فاللّه في الكتاب المقدَّس يريد الهداية للجميع، بينما النَّاس هم الذين يقبلون أو يرفضون، وهم مسؤُولون عن قراراتهم، وسيؤَدُّون حسابًا عن أنفسِهم.

الأبُ المحِبّ مع أبنائِه أم السَيّد مع عبيدِه

رغم وجودِ تسعةٍ وتسعين اسمًا من أسماء اللّه الحُسنى في الإسلام، فإنّنا لا نجد من ضمنها بعضَ الأسماء الجميلة مثل اللّه المحِبّ، أو اللّه الآب. فبحسب الإسلام، من المستحيل أن يكون اللّه أبًا للبَشَر، لأنَّ القرآن يقول: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» (المائدة ١٨). أمَّا في المسيحيَّة فنجدُ أنَّ اللّه محَبَّة. يقول الإنجيل: «اَللَّهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتُ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتُ فِي اللّهِ وَاللّهُ فِيهِ» (رسالة يوحنَّا الأولى الأصحاح ٤ الآية ١٦) ويعني هذا أنَّ اللّه منبع كلِّ حُبٍّ حقيقيٍّ نقيٍّ طاهر موجودٍ في الكَون.

ونجد في المسيحيَّة أيضًا أنَّ اللّه أبٌ، ولذلك يدعى «الآب». فقد تكرَّر في تعاليم السيّد المسيح تعبير «أبوكُم السَّماويّ» مرَّاتٍ كثيرة، كما أنَّ المَسيح علّم تلاميذَه بأن يبدَؤُوا صلاتهم بقولهم: «أبانا الذي في السَّموَات.» (الإنجيل رواية متّى الأصحاح ٦ الآية ٩) فاللّه يحِبُّ البشَر، و يتحَنَّن عليهم، وهو بمنزلة الأب الأكبر لكلِّ النَّاس، ولذلك يتعامل اللّه، حتّى مع العصاة، بمنطق الأب الذي ينتظر رجوع أبنائه إليه.

واللّه في الإسلام هو السيِّد، والبشر هم مجرَّد عبيد له. فهو خلقهم لعبادته فقط «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (سورة الذّاريات ٥٦). ولا يمكن أن يرتقوا في يوم من الأيَّام إلى مرتبة الأبناء، حيث سيظلون دائمًا عبيدًا. ولذلك يسمّي المسلمون أبناءَهم «عبد اللّه» و«عبد الرَّحمن» و«عبد العظيم»… فلا يوجد أبناءٌ في الإسلام. فالكُلّ عبيد، ولذلك فإنَّ علاقة المسلم برَبِّهِ هي علاقة العبد بسيّدِه، حيث يأمر السيّد فيطيع العبدُ وينَفّذُ من دون سؤال. ولا توجد علاقة محَبَّة أو عواطف متبادلة بين الإثنين. وأمَّا في المسيحيَّة، في علاقة اللّه بالبشر علاقة الأب بأبنائه. ولذلك قال السيّد المسيح: «لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي» (الإنجيل رواية يوحنّا ١٥ آية ١٥) فالمسيح يَعُدُّ اللّهَ أبًا له، وفي صلاته نراهُ يخاطبُ أباه لا سيّدًا قاسيًا، بينما يصلّي المسلم كعَبدٍ ويؤَدِّي الطّقوسَ التي طلبها منه سيّدُه من دون أيّ علاقة عاطفيَّة بين الإثنين. وينطبقُ الشَّيْءُ نفسُه على سائر العبادات.

التكَبُّر أم التّواضُع

يقول القرآن إنَّ اللّه متكَبّر: «هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (الحَشر ٢٣). فهو لا يتنازل ولا يتواضع إلى مستوى البشر، ولذلك فإنَّ أعلى درَجَةٍ من التَّواضع يمكن أن يقومَ بها اللّه هي أن ينزلَ في الثّلث الأخير من اللّيل كما يقول الحديث. (صَحيح البُخاري، كتاب التهَجُّد) واللّه كبيرٌ فعلًا، لأنَّه متميّزٌ عن خلائقه، ولا يحتاج أن يتكبَّرَ على كائنٍ خلقه. خلائقُه صغيرَةٌ بالنّسبةِ إليه. فالمتكَبّر هو شخصٌ مساوٍ للذي يحاول أن يتكَبَّر عليه. فالتكَبُّرُ في ما يتعَلّق باللّه أمرٌ غير عقلانيّ. وهذه الصِّفَة ممقوتة في تطبيقها على البشر، ولا تتحَسَّن صورتها عند انطباقِها على اللّه!

أمَّا في المسيحيَّة، فإنَّ اللّه تواضعَ فعلًا لأنَّه كبير! وتنازل لينقذَ البشر، نزل إلى الأرض في صورَةٍ بشريَّة في شخص السيّد المسيح، معطيًا بذلك مثالًا لقمَّة التّواضع، ولذلك يقول الكتاب المقدَّس: «فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لله. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.» (رسالة بولس إلى فيلبّي ٢ آيات ٥-٧.) ولا ينتقص هذا التّنازل من قدره ومجده بأيِّ شكلٍ من الأشكال. بل يجد المؤمنون بالمسيح أنَّ في تواضعه إظهارًا لمجده وفضله. وهذا دافعٌ آخرُ إلى إجلاله وعبادته.

الخلاصَة

تتّفقُ المسيحيَّة والإسلام على أشياء كثيرة بخصوص اللّه، فهو الخالق، وهو الدَيَّان، وهو العادل، وهو الحَقّ، وهو القدُّوس… لكنَّهما يختلفان أيضًا في أشياء كثيرة تتعَلّق باللّه: فاللّه في الإسلام مضِلٌّ، ومتكَبّرٌ، وسيّدٌ يمتلكُ عبيدًا… أمَّا في المسيحيَّة فهو الهادي الذي يريد الهداية للجميع، وهو المتواضع الذي تجَسَّد لأجل البشر، وهو الأبُ المحِبّ الذي يتحَنّنُ ويترَأفُ على أبنائه. فأيُّهُما تريدُه يا ترى أن يكون إلهَك؟

٢. هل يعبدُ المسيحيُّون ثلاثةَ آلهَة؟

ثلاثةُ آلهَةٍ أم إلهٌ واحد؟

حين تركتُ الإسلام وصرت مسيحيًّا إتّصلَ بي أحد الأصدقاء المسلمين، فدار بيننا الحوارُ التّالي:

قال لي: “كيف تحوَّلتَ من دين التَّوحيد إلى دين الشِّرْك؟”

قلت له: “المسيحيَّة تعلّم التَّوحيد وتحريم الشِّرك. المسيحيَّة ليست شِرْكًا كما تعتقد”

ضحك صديقي وقال: “أنتم تعبدون ثلاثةَ آلهَةٍ ومع ذلك تدَّعي أنَّ المسيحيَّة دينُ توحيد؟”

قلت له: “نحن لا نعبد ثلاثةَ آلهَةٍ بل نعبدُ اللّه الواحد، لقد وردَ في الكتاب المقدَّس قبلَ القرآن بمئَاتِ السِّنين حيث نقرأ: «إسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية ٦: ٤). هذه الآية وجدت في توراة موسى، وفي الإنجيل أيضًا أكَّدَ السَيِّد المسيح القولَ نفسَه: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: إسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (إنجيل مرقس ١٢: ٢٩). التَّوحيد هو أوَّلُ الوَصايا المَسيحيَّة”.

لم يقتنع صديقي بهذا الكلام فكرَّر فكرَتَه نفسَها: “لكنَّكم تَعبدون ثلاثة آلهة!”

حينَها أجَبتُه: “لا توجد آيةٌ واحدةٌ في الكتاب المقدَّس تقول للمَسيحيّين أعبدوا ثلاثة آلهة، ولكن جميع الوصايا تؤَكّد على وحدانيَّة اللّه، إنَّما القرآن هو الذي فهم فكرَ المَسيحيّين خطأً واتّهمَهُم بالخطأ أنَّهم يعبدون ثلاثةَ آلهَة، حيث يقول: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ» (المائدة ٧٣) ويقول في سورةٍ أخرى: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ» (النِّسَاء ١٧١). فالقرآن يعتقد خطأً أنَّ المسيحيّين يؤمنون بالثّالوث غريب: وهو أنَّ اللّه تزوَّجَ مريم ووَلَدَ المسيح، بينما المَسيحيَّة الرّسميَّة لا تعلّم هذا التَّعليم على الإطلاق عبر تاريخِها، ولا توجد آيَةٌ واحدة في الكتاب المقدَّس كلّه تعلّم هذا الأمر. ويقول القرآن في هذا السِّياق: «وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ» (المائدة ١١٦). الإعتقاد القرآنيّ في هذه الآية هو أنَّ المَسيحيّين يعبدون اللّه مع إلهَين آخَرَين وهما مَريَم والمَسيح، وهذا ادِّعاءٌ باطلٌ في حَقِّ المَسيحيَّة، المسيحيُّون لا يعبدون ثالوثًا من اللّه ومريَم والمَسيح”.

هل الآبُ والإبنُ والرُّوح القدُس ثلاثة آلهَة؟

قاطَعني صديقي قائلًا: “لكنَّكم تعبدون الآبَ والإبن والرُّوح القدُس”

قلت له: “نعم، ولكن هذا الثّالوث لا يتحَدَّث عنه القرآن على الإطلاق، إنّما القرآن ينتقد ثالوثًا من: اللّه، والصَّاحبَة «مريم»، والوَلَد «المسيح» حيث يقول: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ» (الأنعام ١٠١)، وهذا الثّالوث لا وجودَ له في المسيحيَّة منذ بدايتِها إلى اليوم”

هنا قال صديقي: “لكنَّكم تؤمنون بثالوث الآب والإبن والرُّوح القدُس، وهذا يكفي لجَعلِكم مشركين”

هنا قلت له: “الإيمان بأنَّ اللّه واحد لا يتعارض مع وصفِه بأنَّه آبٌ وإبنٌ وروح قدُس، فهذه لا تُلغي أنَّه واحد، لأنَّ المَسيحيّين لم يقوموا بعبادةِ ثلاثة آلهَة إنَّما اللّه الواحد الذي هو: آبٌ وإبنٌ وروح قدُس”

إعترضَ صديقي المُسلم على كلامي وقال لي: “أتحَدَّاك أن تُخرجَ من الإنجيل آيةً واحدةً فيها كلمَة ثالوث”

قلت له: “لا أحِبُّ لغةَ التَحَدّي، لكنّي أستخدمُها فقط للحُجَّة: وأنا أتحَدَّاك أن تُخرجَ لي من القرآن آيةً واحدةً فيها كلمَة توحيد”

توقّف صديقي قليلًا عن الكلام ثمَّ استرجع أنفاسَه قائلًا: “لكن مفهوم التوحيد موجود في الآيات القرآنيَّة، حتّى لو لم تُذكَر كلمة التَّوحيد نفسُها، مثل قوله تعالى: «قُلْ هوَ اللّهُ أحَدٌ» (الإخلاص ١).

قلتُ له: “كلامُكَ صَحيح، كلمة توحيد غيرُ موجودة في القرآن، لكن آيات القرآن تحمل هذا المفهوم، وبالمقياسِ نفسِه كلمَة ثالوث غير موجودة لكن آيات الإنجيل تحمل هذا المَفهوم، مثل حينما قال السَيِّد المسيح: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الْأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الْآبِ وَالْابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (إنجيل متّى ٢٨: ١٩). التّوحيد صياغة فقهيَّة صاغها الفُقَهاء للدَّلالة على حقيقةٍ معيَّنَة موجودة في القرآن، والثّالوث كلمة لاهوتيَّة إستخدمها علماءُ اللّاهوت للدَّلالة على حقيقةٍ إنجيليَّة. وللأمانة فإنَّ كلمة ثالوث العرَبيَّة ترجمة غير دقيقة للكلمة الأصليَّة التي استخدمها علماءُ اللّاهوت «Tri Unity»؛ فهي تتكوَّن من كلمَتَين: وحدانيَّة وثالوث، يعني الوحدانيَّة المثلّثَة؛ والمسيحيُّون يؤمنون بإلهٍ واحدٍ لكنَّه إلهٌ جامع أيضًا، اللّه الواحد الجامع. وبتعبير أكثر دقَّة: المسيحيّون يؤمنون بوحدانيَّة جامعة تجمع اللّه، وكلمتَه «المسيح»، وروحَه «الرّوح القدُس» فهل من العيب أن يقول المسيحيُّون إنّنا نعبد اللّه وكلمتَه وروحَه، كلّه واحدًا كاملًا؟”

هنا قال صديقي: “لكن كيف تقول عن اللّه إنَّه ثالوث: اللّه وكلمتُه وروحُه؟ هذا أيضًا لا يجوزُ في حَقِّ اللّه، هذا أيضًا شِرْك”.

ثالوثٌ إسلاميّ وثالوثٌ مسيحيّ

سألتُ صديقي: “ما دليلُكَ على أنَّه شِرْك؟ هل تعلم أنَّ هناك في الإسلام تعليمًا مماثلًا لهذا؟”

قال لي: “أين؟”

قلت له: “في الإسلام هناك ثالوثٌ إسلاميّ، اللّه وذاتُه ونفسُه، فالقرآن مثلًا يقول على لسان عيسى مخاطبًا اللّه: «تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ» (المائدة ١١٦). وهذا دليلٌ على أنَّ للّه نفسًا، بل حتّى الحديث القدسيّ يقول على لسان اللّه: «أنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرَني، فإن ذكرَني في نفسِه ذكَرتُه في نفسي». فاللّه له صفةُ النَّفس، وله أيضًا صفة الذّات بحسب الحديث الذي يقول: «لم يكذب إبراهيم النَّبيّ عليه السَّلام قطّ إلّا ثلاثَ كذباتٍ ثِنتَين في ذاتِ اللّه» (صحيح البُخاري، كتاب التَّوحيد؛ وصَحيح مُسلم، كتاب الفضائل). ويُجمِع أهلُ السُنَّة على أنَّ للّه صفة الذَّات وصفة النَّفس، فهل يمكنُني اعتبار المُسلمين مشركين إذا قالوا إنَّهم يعبدون اللّه وذاتَه ونفسَه؟ وهل يمكنُني اعتبار المسلمين يعبدون ثلاثةَ آلهَةٍ إذا قالوا بأنّهم يعبدون اللّه وذاتَ اللّه ونفسَ اللّه؟ إذا كان المسلمون يعتبرون أنفسَهم موَحِّدين رغم اعتقادهم بأنَّ للّه ذاتًا ونفسًا فإنَّ المسيحيّين أيضًا يحقُّ لهم أن يعتبروا أنفسهم موَحِّدين رغم اعتقادهم بأنَّ للّه كلمَةً وروحًا، فهذا لا يجعل اللّه ثلاثةَ آلهَة، بل يجعلُه إلهًا واحدًا جامعًا لثلاث صفاتٍ ذاتيَّة”.

هنا اعترض صديقي المُسلم وقال لي: “هذه لا تشبه تلك”، قلت له حينها: “هل يمكنُكَ أن تشرَحَ لي الفرق؟” فقال لي: “نحن لا نصف اللّه إلّا بما وصفَ به نفسَه أو أخبرَنا عنه رسوله، فلسنا نحن مَن نسَبَ للّه هذه الصِّفات بل هو من أخبرَنا عنها”

حينها قلتُ له: “ونحن الشَّيْءُ نفسُه، المسيحيُّون لم يخترعوا الثالوث، بل لخَّصوا فقط ما قد أعلنَه لهم المسيح عن نفسِه في الإنجيل، فالمسيح هو مَن أعلنَ لهم أنَّ اللّه آبٌ وابنٌ وروحُ قدُس، أي اللّه وكلمتُه وروحُه. والمسيحيُّون قبلوا ما قاله المسيح لهم ولم يرَوا فيه أيَّ تعارض مع كون اللّه واحدًا. لم يفكّر المسيحيُّون في اختراع عقيدة جديدة وإدخالها إلى المسيحيَّة بل قاموا بتلخيص ما علّمَه المسيح إيَّاهم مرَّاتٍ عديدة”.

إنتهت المكالمة مع صديقي بدون أن أرَى تنازُلًا منه أو إقرارًا بصِحَّةِ ما قلت له، وأنا أعتقدُ أنَّ ذلك ما يفعَلُه النَّاس عادَةً، لأنَّ الإعتراف بالخَطأ صعبٌ على الإنسان، لكنّي متأكّد أنَّ كلامي كان له صدًى عنده، وأنَّه في المرَّة القادمة لن يستطيع أن يرميَ المسيحيّين بتُهمةِ الشِّرك بكلّ سهولة كما فعل معي في البداية، لأنَّه من السَّهل أن نرمي النَّاس بالتُهَم حين نكون غير ملِمّين بمُعتقداتِهم.

المسيحيُّون ليسوا مشرِكِين بل موَحِّدون يؤمنون بالإله الواحد الكلمة والرُّوح. الآب والإبن والرُّوح القدُس الإله الواحد آمين.

٣. هل يمكنُ أن يتجَلّى اللّه؟

قد يبدو للوهلةِ الأولى أنَّ السُّؤَال عن تجَلّي اللّه لخَلقِه سؤالٌ صعب، والبعض قد يعتبرُه شِركًا أو خَوضًا في أمورٍ غيبيَّة لا يجوز للإنسان الخوض فيها، بل هناك من يعتبر التجَلّي إهانةً في حَقِّ اللّه، لأنَّه ينبغي للّه ألّا ينزل إلى مستوى خَلقِه ويتجَلّى لهم، ولذلك ينظرُ المسلمون إلى المَسيحيّين على أساس أنَّهم كفّارٌ ومشركون لأنَّهم تجرَّؤُوا وادَّعوا أنَّ اللّه تجَلّى لخَلقِه في المسيح. في هذا الفصل سنحاول الإجابة عن هذا السُّؤال من النّصوص الإسلاميَّة والمسيحيَّة: هل يمكن أن يتجَلّى اللّه لخَلقِه؟

اللّه يتجَلّى لخَلقِه في القرآن

في القرآن نجدُ مثلًا أنَّ اللّه تجَلّى للجَبَل والجَبَل جماد، حيث يروي القرآن عن موسى قائلًا: «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا» (الأعراف ١٤٣). وكلمة تجَلّى تعني ظَهَر، يقول القرطبي: «وتجَلّى معناه ظَهَر؛ من قولك: جَلَوْتُ العروسَ أي أبرَزتُها. وجَلَوْتُ السَّيفَ أبرَزتُه من الصَّدأ؛ جلاءً فيهما. وتجلّى الشَّيْءُ انكشَف» (تفسير القرطبيّ للأعراف ١٤٣). وهذا يعني أنَّ اللّه كان غيرَ ظاهر للجبل ثمَّ ظهر له، والظهور يقتضي الصُّورَة، لأنَّ الظّهور يكون في زمان ومكان، بل إنَّ المفسّرين قالوا بأنَّ اللّه لم يظهر منه إلّا جزْءٌ صَغير للجَبَل وهذا الجزْء كان قدرَ الإصبَع الصَّغير في اليَد «ما تجَلّى منه إلّا قدر الخِنصَر» (تفسير الطَبَريّ للأعراف ١٤٣).

وفي سورةٍ أخرى يذكر القرآن أنَّ النَّاس سوف يرَون اللّه في الآخرة «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (القيامة ٢٢ و ٢٣) قال المفسِّرون عنها: «عن عكرمة “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” قال: تنظر إلى ربِّها نظرًا»، وعن الحَسَن قال: «تنظر إلى الخالق» (تفسير الطَبَريّ للقيامَة ٢٣)، وهذا معناه أنَّ النّاس سيَرَون الخالق عيانًا، وبما أنَّ الخالقَ سوفَ يظهَرُ لهم وهم أشخاصٌ محدودون، فإنَّ ظهورَه يقتضي التَوَاجد في زمانٍ ومكانٍ مُعَيَّنَين حيث سيراه المؤمنون، وهذا طبعًا يقتضي ظهورَه في صورةٍ معيَّنَة.

اللّه يتجَلّى لخَلقِه في السُنَّة

أمَّا في السُنَّةِ والأحاديث التي تتحَدَّث عن رؤية اللّه أو أنَّ له صورَةً فهي كثيرة، منها الحديث الذي قال فيه نَبيُّ الإسلام: «فَإِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (سنَن التّرمذي)، وهذا يعني أنَّ رؤية اللّه ستكون حاصلةً لا محالة، وعن كون أنَّ له صورةً يقول نَبيُّ الإسلام: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ. فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (صَحيح مُسلم، كتاب البِرّ والصِّلة والآداب، باب النَّهي عن ضرب الوجه). ورغم أنَّ بعضَ المفسِّرين أرجَعوا الضَّميرَ إلى آدم، لكنَّ بعضَهم ذكَرَ أنَّ الهَاء تعود إلى اللّه، وهذا يوافق ما جاءَ في التَّوراة من قبل بأنَّ اللّه خلق الإنسان على صورته (تكوين ١ آية ٢٧).

وفي حديث المَحشَر أنَّ اللّه سيظهر للمُسلمين في صورة ثمَّ بعد ذلك سيأتيهم «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ. لاَ نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا». ثم يقول: «هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ. وَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلاَّ جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا» (صَحيح مُسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرُّؤية). سيطلب اللّه من المؤمنين العلامة فيقولون: “كشَفَ السَّاقُ عن ساقِه”، وبينما هم ساجدون سيتحَوَّل إلى الصُّورة الأولى، ثمَّ حينها يقول لهم: “أنا ربُّكُم” فيقولون: “نعم أنت رَبُّنا”.

والحديث يتَكَرَّر في روايةٍ أخرى: «وَتَبْقَى هذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ اللّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللّهِ مِنْكَ، هذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا. فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَتَّبِعُونَهُ» (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرُّؤية). ألا يدلُّ هذا الحديث على أنَّ اللّه يظهرُ في صوَرٍ متعدّدَة وأنَّه يغيّر صورَتَه أيضًا؟ ألا يدلّ كشفُه عن السَّاق على أنَّ هذه الصُّورة بشَريَّة؟

أسئِلة منطقيَّة

إذًا، لو كان اللّه قد ظهر للجمادات (للجَبَل مثلًا) في الدُّنيا، و يظهر للنَّاس يوم القيامة في صوَرٍ مختلفةٍ منها صورة بشَريَّة بدليل كشفِهِ عن السَّاق، فما المانع أن يظهَرَ للنَّاس في شخص المسيح في الدُّنيا وفي الآخرة؟ لماذا حلالٌ على المسلمين أن يعتقدوا بظهور اللّه في صورَةٍ معيَّنَة أو صوَر مختلفة، وحرامٌ على المسيحيّين أن يعتقدوا أنَّ اللّه ظهر في صورة المسيح؟ الفرق بين المسلمين والمسيحيّين في هذه المسألة ليس قدرة اللّه على الظّهور في صورَةٍ أو في إمكانيَّةِ ذلك بل الإختلافُ زَمَنيٌّ فقط: المسلمون يقولون إنَّ اللّه سيقوم بذلك في أرضِ المَحشَر يوم القيامَة، والمسيحيُّون يقولون إنَّه قام بذلك منذ أكثر من ألفَي سنَة في شَخص المسيح المُبارَك.

وهنا أطرح سؤالًا: “إذا كان يمكنُ للّه مبدئيًّا أن يظهرَ في صورةٍ ما فإنَّ زَمَن حصول ذلك غيرُ مُهمّ، لأنَّ اللّه ليس عنده ماضٍ ومستقبل وحاضر، الزَّمَن عنده واحدٌ، القادر على الظّهور في صورةٍ يومَ القيامة قادرٌ على الظّهور في صورَةٍ في الدُّنيا أيضًا، لأنَّ قدرَةَ اللّه لا تتَغيَّر بتغَيُّر الزَّمَن”.

هل هناك فرقٌ بين اعتقاد المُسلمين واعتقاد المسيحيّين؟

إعتقادُ المَسيحيّين مشابه لإعتقاد المسلمين في مسألة ظهور اللّه في صورة، والمسيحيُّون لا يعتقدون أنَّ المسيح كان إنسانًا ثمَّ بالغوا في تقديسِهِ حتى جعلوه إلهًا، بل يعتقدون أنَّ اللّهَ ظهر في صورَةِ السَيّد المسيح، وأنَّ المسيح هو في الحَقيقةِ الصُّورَة المَنظورة للّه غير المَنظور، فاللّه هو الظّاهر والباطن، ظهر في شَخصِ المَسيح وباطنُه لا تدركُه الأبصار.

آياتٌ من الكتاب المقدَّس تتحَدَّث عن تجَلّي اللّه

المسيحيُّون يؤمنون أنَّ اللّه ظهر في صورة، وهذه الصُّورة بشَريَّة، حيث يقول الكتاب المقدَّس: «وَبِالْإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللّهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ» (رسالة تيموثاوس الأولى ٣ آية ١٦). ويقول الكتاب المقدَّس أيضًا عن المسيح أنَّه «الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللّهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ» (كولوسي ١ آية ١٥)، وفي مكانٍ آخَر يقول عنه: «الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللّهِ» (رسالة كورنثوس الثّانية ٤ آية ٤).

ولذلك ينبغي ألّا ننزعج من أنَّ المسيح نامَ وأكلَ وشَربَ وجَاعَ وعَطِشَ، فهذه الأمور لم تَجرِ على اللّه في باطنِه أو جوهره بل جَرَت فقط على الصُّورة التي ظهر فيها، فاللّه لا يأكل ولا يشرب ولا يجوع ولا يعطش في جوهره ولا تحدُّهُ الأماكن ولا الأزمنَة، لكن الصُّورَة التي ظهر فيها يحدُّها الزَّمان والمكان، ويجري عليها ما يجري على المحدود من الصُّوَر من وجودٍ في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ، وأنَّه جاعَ وأكلَ وعطشَ وشربَ ونام.

فلماذا يقبل المسلم أنَّ اللّه ظهر للجَبَل ولا يقبل أن يظهَر للبَشَر؟ أيُّهُما أكثر أهميَّة؟ لماذا يقبل المُسلم أنَّ اللّه يظهر في صوَرٍ مختلفة وغيرها بل ويظهر في صورَةٍ أدنى من صورته ولا يقبل أن يظهَرَ اللّه في صورة المسيح وهي أجَلُّ الصُّوَرِ وأعلاها؟ لماذا يقبل المسلم أنَّه سيرى اللّه عيانًا يوم القيامة وسيكَلّمُه وجهًا لوجه، ويُعيب على المسيحيّين أنَّهم قالوا إنَّهم رأوا اللّه ظاهرًا في المسيح وكلّموه وجهًا لوَجه؟ لماذا يَعتَبرُ المسلمُ المسيحيّين مشركين لمجَرَّد أنَّهم آمنوا بأنَّ المسيح هو صورة اللّه غير المنظور، ولا يعتبر ظهورَ اللَه للجَبَل شِرْكًا، ولا يعتَبرُ تغييرَه للصُّوَر يوم القيامة وظهورَه في صوَرٍ مختلفةٍ شِرْكًا أيضًا؟ لماذا لا يعتبرُ كَشفَ اللّه عن ساقِهِ يوم القيامة شِرْكًا باللّه؟ لماذا الكَيلُ بمِكيالَين مختلِفَين؟

لا نملكُ في الأخير إلّا أن نقولَ مع الكتاب المقدَّس: «وَبِالْإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ» (رسالة تيموثاوس الأولى ٣ آية ١٦).

٤. هل اللّه ماكِر؟

جاءَت الآية «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين» (آل عمران ٥٤) في سياق الحديث عن كُفر بعض اليَهود بالمسيح: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ» (سورة آل عمران ٥٢). فعندما وجدَ المسيح الكُفرَ من قومِه، توَجَّه إليهم قائلًا: “من سيكون معي ضِدَّ هؤُلاء؟” فأجابه تلاميذه إنَّهم هم أنصار اللّه الذين سيقفون إلى جانبه. وهنا تأتي الآية التي نحن بصدَدِها فتقول: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ واللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (سورة آل عمران ٥٤). يقول الطَبَري، في تفسيره لهذه الآية: «ومكَرَ الذين كفرُوا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكَرَ اللّه أنَّ عيسى أحسَّ منهم الكفر، وكان مكرُهم الذي وصفَهم اللّه به، مواطأةً بعضُهم لبَعض على الفَتكِ بعيسى وقتلِه». ويعني هذا أنَّ مَكرَ الكفّار من اليَهود هو تَخطيطُهم لقتل المسيح. فما هو مَكرُ اللّه الذي قابلهم به بحَسَب المفَسّر نفسِه؟ يقول الطَبريّ: «وأمَّا مَكرُ اللّه بهم فإنَّه فيما ذكر السُّدِّيّ: إلقاؤُهُ شَبَهَ عيسى على بعض أتْباعه، حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونَه عيسى» (تفسير الطبري لسورة آل عمران ٥٤)، أي أنَّ اللّه أيضًا خطَّطَ للمَكر بهؤُلاء القتلة، فألقى شبهَ المسيح على شَخصٍ آخر وجعَلَهم يعتقدون أنَّه المسيح، بينما رفعَ اللّه المسيحَ الحَقيقيَّ إليه. مكرَ اللّهُ بهم فصلبوا المسيحَ المزَيَّف بدلًا من المَسيح الأصليّ. وبذلك كان اللّهُ خَيرَ الماكرين، حيث فاقَ مكرُه مَكرَ القتلة الذين أرادوا قتلَ المسيح.

وهنا نطرح بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة.

لماذا يحتاجُ اللّه إلى المَكر؟

تدخُل قصَّة إلقاءِ شَبَهِ المَسيح على شخصٍ آخَر في باب المَكر والخديعة. قال القرطبيّ: «وأصلُ المَكر في اللّغة هو الإحتيال والخِداع» (تفسير القرطبيّ لسُورَة آل عمران ٥٤). فهل يحتاجُ اللّه إلى الإحتيال والخداع لكي ينَجّي المسيح إن أرادَ أن ينجّيَه؟ ألم يكن في مقدوره تعالى أن ينَجّيَ المسيح بالقوَّة لا بالمَكر والخداع؟

إنَّ البَشرَ هم الذين يلجأون إلى المكر والخداع لأنَّهم لا يستطيعون أحيانًا الحصول على مرادِهِم من خلال الطرُق المباشرة السَّليمَة، ولذلك يلجَؤُون إلى الإحتيال والغِشّ والخداع. فمثلًا، إنَّ مَن يزور أوراقًا فإنَّه يفعل ذلك لأجل غايةٍ لم يستطع الحصول عليها بأوراقٍ سليمة. فلجَأ إلى المَكر لأنَّه لا حولَ له ولا قوَّة. أمَّا اللّه فهو القادر على كلِّ شَيْء. فكيف يتخَلّى عن استخدام قدرته ويلجأ للخداع، وهو وسيلة الضُعَفاء لا الأقوياء؟

هل نستطيع أن نثقَ بإلهٍ يَمكُر؟

تُفقِد صفةُ المكر في أيّ شخص ثقةَ النَّاس به، لكن القرآن يكرِّرُ أنَّ اللّه يمكر بالنّاس. فهو يقول مثلًا على لسان اللّه: «وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ» (سورة النَّمل ٥٠). فاللّه يمكُرُ بقوم ثمُود وهم لا يشعرون بمكره، أي أنَّه سيفاجئُهُم تمامًا كما يفعل المحتالون. هل هذه صفة تليق باللّه، خالق الكون الذي في يدِهِ كلّ شَيْء؟ كيف نثقُ باللّه غير متيقّنين إن كان يقول لنا الحَقّ أو يمكُرُ بنا؟ كيف نتأكّد من أنَّه لا يمكُرُ بي ولا يخدعُني؟ فمن يمكُرُ بشخص ما يمكن أن يمكرَ بالآخرين، فلا يمكن الوثوقُ به. فإذا كان اللّه قد غَشَّ قتلةَ المسيح وخدَعَهم، وغَشَّ قومَ ثمُود وخدعهم، فما الذي يضمن لنا أنَّه لن يغشَّنا اليوم جميعًا ويخدعنا؟

هل المسيحُ ماكِر؟

تجعل قصَّةُ إلقاءِ المسيح صورتَه على شخصٍ آخَر والهُروبِ منه بجِلدِهِ المسيحَ شخصًا مخادعًا. فهو قَبِلَ أن يكون شَريكًا في الخدعة، ولم يكن يهمُّه إلّا الخروج سالمًا. يقول الطَبَري مفسِّر القرآن عن قصَّةِ إلقاءِ الشَّبَه: «إنَّ بني إسرائيل حَصَروا عيسى وتسعَةَ عشَرَ رجُلًا من الحواريّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابه: “من يأخذ صورتي فيُقتَل وله الجَنَّة؟” فأخذها بعضٌ منهم. وصُعِد بعيسى إلى السَّماء» (تفسير الطَبَري لسورة النّساء ١٥٧). فالمسيح هنا ماكرٌ لا يهمُّه إلّا طريقة نجَاتِه، والغاية عنده تبرِّرُ الوَسيلة. ويُعَدُّ هذا إهانةً بالغةً في حَقِّ شَخصِ السَيّد المسيح الذي عُرف بالصِّدق والشَّرَف والبسَاطة والبرَاءَة وتجنُّبِ كلِّ إلتواءٍ واعوجاج بشَكلٍ مطلق. هل يقبل أيُّ إنسان عاديّ أن يُدعى ماكرًا؟ فكيف يقبلُها المُسلم في حَقِّ اللّه وفي حَقِّ المَسيح؟

هل المسيحُ جُبان؟

يجعلُ المَكرُ الذي تحدَّثَ عنه القرآن بخصوص قضيَّة الصَّلب من المسيح جُبانًا. فهو بقيَ يعظُ النَّاس ويشَجّعُهُم ويعلّمُهم على الإيمان والتَضحيَة والثّبات والصَّبر. وحين جاءَت ساعة الحَقيقة لم يواجه خصومَه بكُلِّ شَجاعةٍ وتضحية وصبر، بل جبُنَ وخاف ودَبَّرَ حيلة للنَّجاة بنفسه، وكأنَّ وعظه كان مجرَّد كلام، مثله مثل باقي رجَال الدِّين الذين يقولون ما لا يفعلون! بل إنَّ المفَسِّرين يصوِّرون لنا المسيح وهو يتوَجَّه بكلامه إلى تلاميذه فيقول: «أيُّكم يُلقى عليه شِبهي فيُقتَلَ مكاني؟” فقال رجُلٌ من أصحابه: “أنا يا رسول اللّه”. فألقي عليه شِبْهُه، فقتلوه، فذلك قوله: “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ” (تفسير الطَبَري للنّساء ١٥٧). فالمسيح هنا جُبان، حيث ضَحَّى بواحدٍ من تلاميذه لكي ينجوَ بنفسِه. لم تكن تهمُّهُ حَياةُ أصحابه وتلاميذه بقدر ما كانت تهمُّه النَّجاة من الموت بأيّ ثَمَنٍ كان، حتى لو كان الثَّمَن هو أن يموت شخص مكانه. وعندما يضَحّي قائدُ الجُند بواحدٍ من جنودِهِ لكي ينجوَ هو بنفسِه، فهل يكون محترَمًا أو بطَلًا؟ وهل يمكن أن يعوّلَ على القائد الذي يهرب من المواجهة ويترك جنودَه لمصير القتل، جاعلًا حياتهم بلا قيمة كبيادق الشَّطرنج، وأنَّهم قابلون للإستغناء عنهم؟ وهل الأستاذ الذي يضَحّي بتلاميذه لكي ينجوَ هو يستحِقّ لقبَ الأستاذ والمُعَلّم؟ فالقرآن يُهينُ المسيح بهذه القصَّة ويجعلُه مجَرَّدَ شخص جُبان لا يرقى إلى أن يكونَ قائدًا أو معَلّمًا.

المَسيح في الإنجيل

أمَّا الإنجيل فيصَوّر لنا المسيح شجاعًا يواجه مصيره من دون أن يلجأ إلى المكر والخداع. فعندما جاءَ الجُنود ليطلبوه، «خَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ تَطْلُبُونَ؟ أَجَابُوهُ: يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ. قَالَ لَهُمْ: أَنَا هُوَ» (الإنجيل رواية يوحنّا ١٨ آيات ٤ و ٥) ثمَّ كرَّر الأمرَ مرَّتَين مؤَكّدًا لهم أنَّه هو يسوع النَّاصريّ، ولم يطلب من تلاميذه التطوُّع ليفتدوه. بل قال للجُنود: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ» (الإنجيل رواية يوحنّا ١٨ الآية ٨). كان السيّد المسيح حريصًا على نجاة أتباعه من الموت، فقد سبق أن قال لأتباعِه عن نفسه: «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (الإنجيل رواية مرقس ١٠ آية ٤٥). لقد أتى ليُضَحّي بنفسِه عن الآخرين لا ليطلبَ من الآخرين أن يضَحُّوا من أجله، فهو القائد الذي يبذل نفسَه في سبيل أحبَّائِه لا القائد الذي يضَحّي بأتباعه من أجل أن ينقذَ نفسَه.

وحتّى عندما ضرب بطرس تلميذُ المسيح أحَدَ الجنود وقطع أذنَه محاولًا الدِّفاع عن معَلّمه، قال له السَيّد المسيح: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟» (الإنجيل رواية متّى ٢٦ الآيات ٥٢ إلى ٥٤). لقد كان بإمكان المسيح أن يلجَأ إلى القوَّة لكي ينجو بنفسه ولكنَّه لم يفعل، لأنَّه أراد أن يواجهَ مصيرَه بكلّ شجاعةٍ كما يفعل الأبطال.

إنَّ مسيحَ القرآن مسيحٌ جُبان هرَبَ وقدَّمَ شَخصًا آخر كبشًا للفداء لكي ينجو بنفسه. وهو مسيحٌ ماكِرٌ لأنَّه مكَرَ بالنَّاس بأن ألقى صورتَه على واحدٍ آخَر، وجعل النَّاس يظنُّون أنَّه المسيح. أمَّا مسيح الإنجيل فهو المسيحُ البَطَل لا المسيح الجُبان، هو المسيح المضَحّي، الذي لم يلجأ لا إلى المَكر ولا إلى القوَّة لكي ينجو من الموت، إنَّما واجَهَ المَوت وتحَدَّاه بكلّ شجاعة. وفوق كلِّ هذا، غفر للمُعتدين وهو على خشبة الصَّليب، حيث قال: «يَا أَبَتَاهُ إغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (الإنجيل بحسب لوقا ٢٣ الآية ٣٤).

٥. ما معنى المسيح إبنُ اللّه؟

عندما يسمعُ المسلمُ عبارة «إبن اللّه» يستعيذ باللّه من الشَّيطان الرَّجيم؛ لأنّه يعتقد أنَّ المسيحيّين ينسبون إلى اللّه ولَدًا جسَديًّا، هذا الولد لا بُدَّ وأن يكون نتيجَةَ علاقةٍ جنسيَّةٍ أقامها الإله مع مريم فاتّخذها صاحبةً، وأنجَبَ منها المسيح ـ حاشا للأله أن يقومَ بذلك ـ طبعًا هذه الفكرَة يشمئِزُّ منها المسيحيُّ قبل المسلم، ولا يوجَد مسيحيٌّ واحدٌ في كلّ الطوائف المسيحيَّة الموجودة يقبل بهذه العقيدة على الإطلاق، فلماذا يعتقد المسلم بأنَّ عبارة «إبن اللّه» هي عبارة شِرْكيَّة، وأنَّها تعني علاقةً جسَديَّة؟ السَّبَب هو النّصوص الدّينيَّة الإسلاميَّة التي أوقعت المسلم في هذا الخلط وجعَلَته يظنُّ أنَّ المسيحيَّة تُعلّم هذا الأمر.

الصَّاحبَة والوَلَد

يقول القرآن في سورَةِ الأنعام: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (الأنعام ١٠١) بمعنى كيف يكون للّه ولدٌ وهو لم تكن له صَاحبَة؟ فهو يجعل وجودَ الوَلَد رَهنًا بوجود الصَّاحبَة، ويستغرب وجود الولد بدون صاحبة. وهذا يدلُّ على أنَّ القرآن لا يفهم عقيدة المسيحيّين في عبارة «إبن اللّه»، وللرَّدّ على هذا نقول: إنَّ الوَلَد الجَسَديّ يقتضي وجودَ الصَّاحبَة، لكن هناك استخدامات أخرى لمُصطلح «الوَلَد» لا تقتضي ذلك: فالولد بالتَبنّي لا يقتضي وجودَ صاحبة، والوَلَد بالمـَجَاز كأن يقول شخصٌ كبيرٌ لشَخصٍ صغير في السِّنّ «يا ولدي» (وهي المنزلة) لا يقتضي وجود الصَّاحبة، بل إنَّ المسيحيّين يؤمنون مثلًا أنّهم «أبناءُ اللّه» بمعنى روحي دون أن يفكّروا أنَّ اللّه ينبغي أن يكون له صاحبة لكي يولدوا منه، وبالتّالي، الإعتراض لا قيمَةَ له هنا؛ لأنَّ المَسيحيّين يؤمنون أنَّ المسيح «إبنُ اللّه» بمعنى غير جسَديّ لا يقتضي وجود الصَّاحبة التي يولَد منها، فهو «إبنُ اللّه» قبل وجود مَريم نفسها.

يكرِّرُ القرآن المَعنى نفسَه في سورَةِ الجِنّ، مثلًا حين يقول على لسان الجِنّ: «وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا» (الجِنّ ٣) وهنا جاءَ ذكرُ الوَلَد أيضًا مقرونًا بالصَّاحبة للإشارة لعقائد المسيحيّين، وهذا يدلُّ بلا شَكٍّ على كون القرآن لم يفهم عقيدة «إبنِ اللّه» فَهمًا صَحيحًا.

وقالوا إتّخذَ اللهُ ولدًا

عادةً ما يستخدم القرآن فِعل «إتّخذَ» على أساس أنَّ المسيحيّين يؤمنون بأنَّ اللّهَ لم يكن له ولَدٌ، ثمَّ اتّخَذَ المسيحَ ولدًا، حيث يقول متّهمًا المسيحيّين: «وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ» (البقرَة ١١٦) يعني أنَّ المسيحيّين يقولون بأنَّ اللّه اتّخذَ المسيحَ ولدًا، وفي سورة مريم ينفي هذا الأمر فيقول: «مَا كَانَ للّه أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (مريم ٣٥) وفِعل «إتّخَذَ، يتّخذُ» معناه أنَّ المسيحيّين يؤمنون بأنَّ اللّه احتاجَ إلى ولَدٍ ثمَّ اتّخذَ المسيح ولدًا في نقطة معيَّنَة من الزَّمَن، وهذا اعتقادٌ لا وجود له في المسيحيَّة بكلّ طوائِفِها، فالمسيح في عُرف المسيحيَّة هو كلمة اللّه الأزليّ، فهو أزَليٌّ مع اللّه وواحدٌ مع اللّه لا يتجَزَّأ منه، وبناءً عليه يُدعى كلمَةَ اللّه منذ الأزَل، ويُدعى «إبنَ اللّه» منذ الأزل أيضًا، يعني أنَّ اللّه لم يتّخذْه ولدًا في وقتٍ معيَّن بل طبيعَتُه وكينونَتُه هي كذلك منذ الأزَل إلى الأبد لا تتَغيَّر. وبالتَّالي عندما يتّهمُ القرآن المسيحيّين بأنَّهم يقولون بأنَّ اللّه اتّخذَ ولدًا فإنَّما هو يقول شيئًا لم يؤمن به المسيحيُّون على الإطلاق، بل هو اتّهامٌ باطلٌ من أصلِه.

لم يَلِدْ ولم يولَدْ

من أشهَر الآيات التي يستخدمها المُسلم ليعترض على عبارَة «إبن اللّه» عند المسيحيّين هي آيات سورة الإخلاص، بحيث يقول: «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» (الإخلاص ٣، ٤) والمقصود بهذه الآيات نفي الولادة الجسَديَّة عن اللّه، فهي لم تقع له كمَولودٍ ولا كوالد. جاءَ في تفسير إبِن كثير: «أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، يعني: لا صاحبة له» (تفسير إبن كثير لسورة الإخلاص ٤). فهل يؤمن المسيحيُّون بأنَّ اللّه مولودٌ بطريقةٍ جسَديَّةٍ أو وُلِدَ بطريقةٍ جسَديَّة؟ لا البتّة، فالمسيحيُّون لا يؤمنون بذلك ويستطيعون ترديد هذه المقولة مع المسلمين دون إشكال؛ لأنَّ اللّه في نظرِهِم أيضًا لم يلِدْ بطريقةٍ جسَديَّة، ولم يولَدْ بطريقةٍ جسَديَّة، ولكن هذه الآية لا تستطيع نفي وجود علاقة روحيَّة بين اللّه وكلمَتِه يطلق عليها لقَب «البُنوَّة». فالقرآن ينفي البُنوَّة فقط بناءً على هذا الأساس الجسَديّ، وهذا هو دليلُه الوحيد، بينما إذا أثبَتنا وجود البُنوَّة بطريقةٍ أخرى فإنَّ القرآن سيَقبَلُ ذلك بل ويقبَل العبادة له، بناءً على الآيَة: «قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَن وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين» (الزَّخرف ٨١).

إذًا، ما معنى إبن اللّه؟

إبنُ اللّه في اللّاهوت المَسيحيّ لا تعني البتّة الولادة الجسَديَّة من اللّه، بل تعني الإنتماء، بمعنى أنَّ المسيح آتٍ من عند اللّه، أو بعبارة الإنجيل أنَّ المسيح كان عندَ اللّه قبل أن يظهَرَ في الجسَد، فهو كلمة اللّه وهذا «الكلمَة» صادرٌ من اللّهِ نفسِه، مثلما أنَّ كلمة الإنسان هي بنتُ شَفَتَيه وبنتُ أفكارِه، هكذا «كلمَة اللّه» هو «إبن اللّه» لأنَّه صادر منه، فهو لم يصِرْ «إبنَ الله» حين ولد من مريم، بل حتى قبل ولادتِه من مريم، وقبل وجود مريم نفسِها كان يُدعى «إبنَ الله». فالبُنوَّة سابقة لتجَسُّدِه لا العَكس.

وفي لغتنا العربيَّة نستخدم لفظَ إبن للدَّلالة على الإنتماء في أحيان كثيرة، فمثلًا نقول فلان إبنُ مصر أو إبنُ العراق أو إبنُ المَغرب للدَّلالة على أنَّه ينتمي إلى هذا البَلَد وأنَّه منه، ولا يستطيع شخصٌ تخَيُّلَ أنَّ لفظة إبنَ العراق تعني أنَّ العراق تزوَّج بصاحبَةٍ وأنجَبَ منها شخصًا، فلماذا لا يتعامل المُسلم بالمنطقِ نفسِه مع لفظ «إبن اللّه»؟ لماذا يصِرُّ على أن يفهَمَ لفظ «إبن اللّه» بمعنى حرفيٍّ وجسَديٍّ في حين أنَّه بعيد كلَّ البُعد عن ذلك؟ خلاصَة القول: لفظ «إبن اللّه» مُوَازٍ لِلَفظ «كلمَة اللّه»، والمسيحيُّون يؤمنون باللّه وكلمته (أو ابنِه) وروحِه (الرُّوح القدُس)، ولذلك يقول الإنجيل: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللّهَ» (إنجيل يوحنَّا ١ آية ١).

٦. ما معنى المسيح كلمَة اللّه في الإنجيل والقرآن؟

يتّفقُ المسلمون والمسيحيُّون على أنَّ المسيحَ كلمَةُ اللّه

يقول القرآن: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ» (النّساء ١٧١)، و«إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمَ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» (آل عمران ٤٥). في هاتين الآيَتَين القرآنيَّتَين نجد أنَّ المسيح يُدعى كلمَةَ اللّه «كلمَتَه» أو كلمة من اللّه «كلمَة منه».

وفي الحديث نجدُ تصريحًا مباشرًا بأنَّ المسيح كلمَة اللّه، حيث يقول في حديث الشّفاعة إنَّ النَّاس يأتون نَبيَّ اللّه موسى ليطلبوا الشَّفاعة منه فيقول: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ» (صَحيح مُسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهلِ الجَنَّة منزلةً فيها).

وفي الإنجيل نجد أيضًا أنَّ المسيح هو كلمة اللّه: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللّهَ» (إنجيل يوحنَّا ١ الآية ١)، «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا [يعني الكلمة تجسَّدَ في شخص المسيح] وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ» (إنجيل يوحنَّا ١ الآية ١٤).

دعنا الآن نتجاوز فكرة أنَّ الكلمة هو اللّه ونرَكّز فقط على مسألة الإتّفاق بين القرآن والإنجيل على أنَّ المسيح هو كلمة اللّه.

السُّؤَال المُهمّ: ما معنى المسيح كلمَة اللّه؟

القرآن لا يفسّرُ لنا معنى كون المسيح «كلمَةَ اللّه»، ولذلك احتار المفسّرون المسلمون في معناها:

البعض قال عن الكلمة إنَّها: «بُشرى اللّه مريم بعيسى ألقاها إليها».

البعض قال لأنَّه خُلق بكلمةِ «كُن» سمّيَ كلمة اللّه: «عن قتادة قوله: “كلمَة منه” قال: قوله: “كُنْ”. فسَمَّاه اللّه عزَّ وجَلَّ كلمتَه، لأنَّه كان عن كلمته». وتفسير إبن كثير يؤَكّدُ المعنى نفسَه: «أي: بوَلَدٍ يكون وجودُه بكلمةٍ من اللّه، أي: بقوله له: كُنْ؛ فيكون. وهذا تفسيرُ قوله: “مصدّقًا بكلمة من اللّه”». كما ذكرَه إبنُ عادل يقول: «وسُمّيَ عيسى عليه السَّلام كلمة. قيل: لأنَّه خلِقَ بكلمَةٍ من اللّه “كُنْ فيكون” من غير واسطةِ أبٍ فسُمِّيَ لهذا كلمة».

هذان المَعنَيان مرفوضان تمامًا للأسباب التّاليَة

لو كان المسيح سُمّيَ «كلمة اللّه» بسبَبِ بُشرى اللّه لمريم وكان معنى «كلمة اللّه» هي «بُشرى اللّه» فإنَّ أنبيَاءَ آخرين بُشِّرَ بهم ولم يتِمَّ إطلاق لقب «كلمة اللّه» عليهم، فها هو إبراهيم يبشّرُه اللّه بإسحاق حيث يقول القرآن: «وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا منَ الصَّالِحِين» (الصَّافات ١١٢)، ومع ذلك لا نقول عن إسحاق إنَّه «كلمة اللّه»، ولا يمكن لأيّ مسلم أن يدَّعي ذلك فهذا لقبٌ خاصٌّ بالمسيح وحده ولا شخص غيره. كذلك نجدُ أنَّ زَكريَّا نادته الملائكة: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى» (آل عمران ٣٩) ومع ذلك لم يطلَقْ على يَحيَى لقبُ كلمَة اللّه، ولذلك لا يُمكن أن يكونَ معنى «كلمَة اللّه» أنَّها «بُشرَى اللّه».

المعنى الثاني مرفوض أيضًا لأنَّ آدَم مثلًا خلِقَ بكلمة «كُن» ولا نسَمّي آدم «كلمة اللّه»، وأوَّل خنزير خلِقَ في البداية بكلمة «كُن» فهل نسَمّي الخنزير «كلمة اللّه»؟ الشَّيطان أيضًا خلِقَ في البداية بكلمة «كُن» فهل يمكن أن نقولَ عن الشَّيطان أنَّه «كلمة اللّه»؟ لا يمكن، وبالتَّالي يستحيل أن يكون معنى كلمة اللّه أنَّه مخلوق بكلمة «كُن»، لأنَّ العالَم كلّه وجِدَ بكلمَةٍ «كُنْ» كما يصرِّحُ بذلك القرآن: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (البقرَة ١١٧)، فهل الأرضُ كلمة اللّه؟ هل السَّموَات كلمَة اللّه؟ لو كان معنى كلمة اللّه هو المخلوق بكلمَة «كُنْ» لكان العالَم كلّه يسمَّى كلمة اللّه لأنَّه خلِقَ بكلمة «كُن»، لكنَّنا نجد أنَّ المسيح وحده فقط يدعى كلمَةَ اللّه ولا أحدَ غيره على الإطلاق.

ما هو معنى كلمَة اللّه إذًا؟

الإنجيل سبق القرآن وتحدَّث عن المسيح كلمَةِ اللّه، وبما أنَّ الإنجيل سابقٌ للقرآن فمن غير المعقول أن نقولَ إنَّ الأصل عربيٌّ في اللّاحق يأخذ من السَّابق، فأصلُ الكلمة يونانيّ، وهو اللّوغوس (Λόγος) وهو يعني العَقل والكلام، ومن هذه الكلمة اشتُقَّت العديد من المرَادفات اليوم:

المنطقُ اشتُقَّ من هذه الكلمة ولذلك نسَمّيه لوجيك (Logic) من اللّوغوس.

العَلمُ اشتُقَّ من هذه الكلمة ولذلك نجد في نهاية الكثير من المجالات كلمة «لوجيا» مثل الجيولوجيا، التّكنولوجيا، البيولوجيا، الفسيولوجيا… إلخ، وهي تعني عِلم، فعِلم الأحيَاء يسَمَّى بيو ـ لوجيا وهكذا.

وعند الفلاسفة اليونان كان اللّوغوس يعني العَقل الكَونيّ، حيث تقول الموسوعة البَريطانيَّة مثلًا: «اللّوغوس في عِلم اللّاهوت وفي الفلسَفة اليونانيَّة يعني المنطق الإلهيّ الموجود ضمنًا في الكون، ينظّمُه ويُعطيه شَكلًا ومَعنى».

فهذا المَنطق أو العِلمُ الإلهيُّ أو الكَلام الإلهيّ نفسُه تجَسَّد وأخذ صورةً بشَريَّة وصَار اسمُه المسيح، ولذلك نجعل الكلمَةَ مذَكّرًا وليسَ مؤَنثًا، نقول كلمَة اللّه إسمُه المسيح وليس اسمُها المَسيح، فالكلمة إسمٌ لشَخص.

ولذلك خاطبَ الإنجيل النَّاس حينها بالمَفهوم الفَلسفيّ اليونانيّ الذي كان سائدًا بينهم، وكأنَّه يقول لهم: هذا اللّوغوس الإلهيّ، هذا العَقل الإلهيّ المنظّم للكَون صَارَ جسَدًا وحَلَّ بينَنا وهو المسيح نفسُه. فالمسيح هو كلمة «كُنْ»، هو المنطق والكلام الإلهيّ الذي خلِقَت به كلُّ الكائِنَات، وهذا المعنى تؤَكّدُه اللّغة اليونانيَّة والفلسَفَة اليونانيَّة أيضًا.

لذلك يؤَكّد الإنجيل هذه الحَقيقة

«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللّهَ… كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ… وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ» (إنجيل يوحنّا الأصحاح الأوَّل الآيات ١، ٣، ١٤).

من غير المعقول أن يكون «كلمة اللّه» مستحدَثًا فكلمة اللّه أزليّ بأزَليَّة اللّه، هل يعقل أن يكون اللّه موجودًا بدون كلمته؟ لذلك قال الإنجيل «في البدْءِ كان الكلمة»؛ يعني هو البَدْءُ الذي لا شَيْءَ قبله، وبما أنَّ الكلمة هو الكلام الإلهيّ نفسه وهو المنطق الإلهيّ نفسه فمن غير المعقول أن يكون مخلوقًا، فكلمة كُنْ تَخلُق وليست مخلوقة، كذلك الكلمة خالق وليس مخلوقًا، والمنطقُ الإلهيُّ خالقٌ وليس بمخلوق، والعِلمُ الإلهيّ خالق وليس بمخلوق، ولذلك قال الإنجيل: «وكان الكلمة اللّه». إذًا بمجَرَّد أن يقول المسلم إنَّ المسيح هو «كلمة اللّه» فهو في الحقيقة يقول عنه إنَّه خالق الكون وإنَّه هو اللّه نفسه، ولا تفسير آخر لمعنى كلمة اللّه.

٧. أين قال المَسيح: «أنا اللّه» فاعبُدوني؟

سمعتُ بأحدِ الدُّعاة المسلمين يتجوَّل في كنائس غربيَّة متحَدّيًا المسيحيّين بمطويَّاتٍ تقول: “أين قال المسيح أنا اللّه فاعبدوني”، وهي عبارة يردّدُها الكثير من المسلمين اليوم. إتّصلتُ هاتفيًّا بهذا الدَّاعيَة في يوم من الأيَّام، وحين بدأ الحوار بيننا لم تمْضِ دقائق حتى كرَّر السُّؤَالَ نفسَه: “أين قال المسيح أنا اللّه فاعبدوني؟”.

قلت له: “أوَّلًا هل تؤمن بكلّ كلمة قالها السَيّد المسيح في الإنجيل؟ لأنَّه لا داعي أن أتعِبَ نفسي وآتيك بكلماتِ المسيح إن كنتَ في الأخير ستقول لي بأنَّها محَرَّفة”

قال: “أنا أؤمن بكلِّ كلمةٍ قالها المسيح بطريقةٍ مباشرة، أي الكلمات المَكتوبَة باللّون الأحمر في بعض الطبَعات، أمَّا ماعدا ذلك فلا أؤمن به”

قلت له: “هذا جيِّد، على الأقلّ هناك أرضيَّة مشتركة نبدأ منها، دعني أوَّلًا أفترض معك أنَّ المسيح مجَرَّد إنسان وليس هو اللّه، ودعنا معًا نأخذ بعض أقواله وندرسها ونستنتج منها طبيعَةَ المسيح في النّهاية، دَعِ طبيعَةَ المسيح تكون هي النّتيجة الأخيرَة وليسَت هي البداية”.

وافقَ معي هذا الدَّاعية على المبدأ، ثمَّ بدأتُ في عرض بعض أقوال المسيح.

الموجود في كلِّ مَكان

قلت له: “دعنا نفتح إنجيل متّى حيث يقول المسيح لتلاميذِه عن الصَّلاة حين يجتمعون: «لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ» (متّى ١٨ آية ٢٠) هل هناك شخصٌ يستطيع التّواجد في كلِّ مكان اجتمعَ فيه اثنان من أتباعه أو ثلاثة؟ هل هناك أيُّ إنسان يستطيع التَّوَاجد في مكانَين في الوقتِ نفسِهِ؟”

أجابني الدَّاعيَة: “لكن المعنى أنَّه يكون معهم بمعنًى رَمزيٍّ فقط، أي أنَّه موافق على كلامهم”

أجَبتُه بأنَّ السّياق كان حرفيًّا فهو يتحَدَّث عن صلاة وإجتماع حَرفيّ، وبالتّالي فكلمة «حيثما» تفيد المكان، وكلِمَتا «في وسطِهم» تعنيان المكان أيضًا، فوق كلّ هذا لا يحِقُّ لك أن تفسِّرَ برأيك، فأنا لا أعطي لنفسي الحَقّ في تفسير القرآن من عندي بل ألجَأ لكتُبِ المفسِّرين المسلمين، ولذلك عليك أن تلجَأ لكتُبِ المفسِّرين المسيحيّين، والمفسِّرون المسيحيُّون إتّفَقوا على أنَّ المسيح قصد هنا التّواجد الحَرفيّ بين أتباعه حيث يسمع صلاتهم”.

غافرُ الذَنب

بعدها انتقلتُ إلى مسألةٍ أخرى في الإنجيل نفسِه، قال السَيّد المسيح للمَفلوج الذي قدَّموه إليه ليَشفيَه: «مغفورَةٌ لكَ خَطاياك» (متّى ٩ آية ٢) ولم يقلْ ذلك فحسب بل أعلنَ أنَّ له سلطانًا أن يغفر الخطايا حيث قال: «لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا» (متّى ٩ آية ٦) وهذه الآيات مكتوبة باللّون الأحمر لأنَّها كلام المسيح المباشر.

هنا قاطعَني الدَّاعيَة الذي يبدو أنَّه متمَرّس في النّقاش مع المسيحيِّين، فقال لي: “المعنى بكلِّ بساطة أنَّ المَسيح يسامح المذنبين إليه، المسيحيُّون يقولون في الصَّلاة الرَّبانيّة: «إغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا» (متّى ٦ آية ١٢) هل هذا يعني أنَّهم آلهة لأنَّهم يغفرون للنَّاس ذنوبهم؟”

قلتُ له عندئذٍ: “كلامك صحيح، المسيحيُّون يصَلّون تلك الصَّلاة ويغفرون للمذنبين إليهم بمعنى «المسامَحَة»، لكن المسيح لم يسامح المفلوج لأنَّه أذنب إليه، في المَفلوج لا تخبرنا الأناجيل أنَّه التقى المسيح من قَبل فكيف يُسيْءُ إليه وهو لم يلتَقِ به؟ وفوق ذلك كلِّه لم يقل له المسيح: «لقد غفَرتُ لكَ ذنبَكَ في حَقّي»، بل قال: «مغفورة لك خطاياك» بصِفةٍ مطلقَة، يعني كلّ الخَطايا دون استثناء، ثمَّ ما معنى قول المسيح إنَّ له سلطانًا أن يغفر الخطايا إن كان المعنى فقط هو مسامحة المذنبين إليه؟ كلّ شخص يمكنُه أن يقول ذلك، لكن المسيح أعلن تميّزَه بهذا السُّلطان عن سائر البشر، وإلّا فلا معنى لكلامه ولا داعي لأن يقولَه أصلًا. بل حتّى اليهود أدركوا ذلك وقالوا بأنَّه «يجَدّف» (متّى ٩ آية ٣) لأنَّهم فهموا من كلامِهِ أنَّه يدَّعي القدرة على مغفرة الخطايا، وقد تكرَّر الأمرُ نفسُه مع المرأة الخاطئَة التي بكَت عند رجليه (لوقا ٧ آية ٤٨).

رَبّ السَّبْت

لم يجد صديقي جوابًا فقال لي: “أهذا هو جوابُكَ على سؤال أين قال المسيح أنا اللّه فاعبدوني؟”

قلت له: “إنّنا الآن نحَلّلُ شيئًا فشيئًا والنّتيجَة سأترُكُها لك، وسنتوَصَّل لها في الأخير، دعني أنتقل إلى نقطةٍ أخرى. كان السَّبتُ مقدَّسًا عند اليهود وعندما جاع تلاميذُ المسيح في أحدِ السُّبوت قطفوا سنابلَ وأخَذوا يفرُكونها، ولمَّا احتَجَّ رجَالُ الدّين اليهود على هذا العَمَل بحُجَّة أنَّه يكسر وصيَّة السَّبت قال لهم المسيح متحَدّثًا عن نفسه: «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا» (متّى ١٢ آية ٨، مرقس ٢ آية ٢٨، لوقا ٦ آية ٥) فهو أعلن بأنَّه هو سيّد السَّبت. أتعرف من هو سيّد السَّبت؟ أتعرف من شرَّعَ وصيَّةَ السَّبت؟ إنَّه اللّه نفسه، هو رَبّ السَّبت وهو من شرَّعَ وصيَّة السَّبت في التَورَاة. لم يكن صديقي ينتظر هذه الآية فسألني: هل هي كلام المسيح المباشر؟ قلت له: بلى، وهي مكتوبة بالأحمر كما تريد”.

الذي رآهُ فقد رَأى اللّه

تركتُ الدَّاعيَة يقلب نسخَتَه من الإنجيل ليتَأكّد بنفسه وقلت له: “سأضيف نقطةً أخرى قبل أن نختِمَ نقاشنا، لقد قال السيّد المسيح بصريح العبارة: «الذي رَآني فقد رَأى الآب»، أي اللّه (يوحنّا ١٤ آية ٩)، هنا انتفض الدَّاعيَة وقال لي: “ولكنَّه لا يعني ذلك حَرفيًّا، بل يعني فقط أنَّ الذي رآه فقد رأى أعمالَ اللّه العظيمة من مُعجزَات، وكأنَّه بالتَّالي رأى اللّه بمعنًى مجازيّ”. هنا تدَخَّلت وقلت: “أين قال المسيح: من رآني فقد رأى أعمال اللّه؟” هل تحرّفُ كلامَه لتصِلَ لمبتغاك؟ لقد قال حرفيًّا: “الذي رآني فقد رأى اللّه” لم يقل أعمالَ اللّه، ولم يقُلْ مُعجزاتِ اللّه، بل قال اللّه نفسه «الآب». ثمَّ ألَمْ نتّفقْ ألّا تقحم تفسيرَكَ بل أن تعود لتفاسير الإنجيل كما أعود أنا لتفاسير القرآن إن أرَدتُ أن أفهَمَه؟ لقد كان المسيح يرُدُّ على تلميذِه الذي طلب رؤيةً حرفيَّةً للّه، فأخبره بأنَّ رؤيتَه تساوي وتعادل رؤية اللّه، وبما أنَّ طلب التّلميذ كان حرفيًّا كان الجواب حرفيًّا، هل يستطيع أيُّ إنسان في العالم مهما بلغَت قداسَتُه أن يقولَ لأتباعِه: “مَن رَآني فقد رَأى اللّه”؟ ألا يقول المسيح هنا بصريح العبارة أنَّه هو اللّه؟ أليس هذا جوابًا على سؤَالِك؟

في الأخير قلتُ للدَّاعيَة: “هناك الكثير من الآيات التي قالها المسيح عن نفسه ولا تفسيرَ لها سوى كونِهِ هو اللّه الظّاهر في الجسد، فالمسيحيُّون لم يؤَلّهوا المسيح بل هو من أعلنَ لهم عن طبيعته مرَّاتٍ كثيرَةً، وما كان منهم إلّا أن صدَّقوه وقبلوا كلامه، لأنَّه برهن لهم أنَّه صادقٌ بآيات ومعجزات كثيرة. إستمرَّت المكالمة، ولكن الدَّاعيَة ظَلَّ يقول لي إنَّه يطلب تلك العبارَة بالذّات، وكأنَّه يقول لي: “حتى لو كان المسيح يوجد في كلِّ مكان، ويغفرُ الذّنوب، وهو رَبُّ السَّبت، ومن رآه فقد رأى اللّه، فهو ليس اللّه”.

٨. هل كرَّمَ الإسلامُ المسيح؟

يعتقد الكثيرون من المسلمين أنَّ الإسلام كرَّمَ المسيح، وقد ارتكزوا في ذلك على ثلاثة أمورٍ نناقشُها فيما يلي:

١. كثرَةُ ذِكر المَسيح في القرآن

إنَّ عيسى ذُكِرَ في القرآن أكثر ممَّا ذُكِرَ محمَّد، ذلك أنَّ عيسى ذُكر ٢٥ مرَّةً بينما ذُكِرَ محمَّد أربع مرَّات فقط.

وعن ذلك نجيب: “أمَّا ذِكرُ عيسى ٢٥ مرَّةً في القرآن أكثر من ذِكر محمَّد فلا يعني أنَّ عيسى أفضل من محمَّد، ولا يعني التَّكريم، لأنَّ العدَد لا علاقة له بالتَّكريم، فالشَّيطان ذُكِرَ أكثر من محمَّد في القرآن، فهل هذا يعني أنَّ القرآن قد كرَّمَ الشَّيطان أكثر من محمَّد؟ لأنَّ الشَّيطان ذُكِر ٦٣ مرَّةً بينما محمَّد ٤ مرَّات فقط، ومع ذلك لا يُعتَبَر الشَّيطان أفضل من محمَّد في القرآن. وفرعون ذُكِر ٧٤ مرَّةً، ومع ذلك لا يعتبر ذلك تكريمًا في حَقِّ فرعون.

٢. الإعتراف بالمَسيح رسولًا

إنَّ الإسلام يعتبر المسيحَ رسولًا ومن أولي العَزم، وأنَّه قام بمُعجزَات كثيرَة، وأنَّه سيعود في آخِرِ الزَّمَان.

وللرَّدّ نقول: “كون الإسلام اعترف بالمسيح أنَّه رسول ومن أولي العَزم فهذا لا يعني تكريمًا للمسيح، لأنَّ تكريم المسيح هو الإعتراف بكلّ تعاليمِه، أمَّا الإنتقاص من أي وصيَّة علّمَها المسيح فإنَّه يُعتبر انتقاصًا من المسيح نفسِه حتى لو اعترفنا ببعض تعاليمه الأخرى، فمثلًا، الإعتراف بأنَّ محمَّدًا رسول من عند اللّه ثمَّ الإدّعاء بأنَّه لم يكن آخِرَ الرُّسُل (كما تؤمن الأحمَديَّة) يُعتَبَر انتقاصًا من قدر محمَّد في الإسلام”.

تخيَّل لو قال شخصٌ بأنَّ محمَّدًا رسولٌ عظيمٌ لكن القرآن كتابٌ محرَّف، فهل هذا يعتَبَر تكريمًا في حَقِّ محمَّد وكتابِه؟ المسلمون يفعلون الشَّيْءَ نفسَه، يقولون إنَّ المَسيح رسولٌ عظيمٌ ولكن كلامه تمَّ تحريفُه، وبالتَّالي يهدمون الجزْءَ الأوَّل من كلامهم من خلال الجزْءِ الثّاني من الكلام نفسه. الإسلام من جهةٍ يقول عن المسيح أشياءً جميلةً مثل ولادته من عذراء وفعلِهِ المُعجزات، ولكنَّه من جهةٍ أخرى ينتقص من قدرِه حين يقول بأنَّه ليس آخِرَ الرُّسُل، ويدَّعي أنَّه جاءَ كمجَرَّد مبَشّر برسولٍ يأتي بعدَه اسمُه أحمَد:

«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ» (الصَّفّ ٦).

إضافةً إلى أنَّ المسيح لن يشفع يوم القيامة بينما محمَّد سيكون هو الشَّفيع الأوحد، حيث يقول الحديث بأنَّ النَّاس سوف يأتون عيسى روحَ اللّهِ وَكلمتَهُ. فَيَقُولُ: «لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا، عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (صَحيح مُسلم، كتابُ الإيمان).

بل وجعل الإسلام من المسيح مجَرَّدَ واحدٍ من أتباع محمَّد بحيث إنَّه حين رجوعه سيُصَلّي خلفَ المهديّ ويموت على الإسلام، وقد ورَدَ هذا في حديث جابر بن عبد اللّه عن النَّبيّ:

«لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي يقاتلون على الحَقّ ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بنُ مريم صَلّى اللّه عليه وسَلّم، فيقول أميرُهم: تعال صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضَكم على بعضٍ أمرَاء، تكرمة اللّه هذه الأمَّة» (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى).

وكلّ هذا كلام مناقض لتعاليم المسيح وانتقاصٌ منها ومن قدر المسيح نفسه.

٣. تبرئَةُ المَسيح من الصَّلب

إنَّ الإسلام برَّأ المسيحَ من الذُّلِّ والهوان الذي لحقَه في الأناجيل التي جعلَتْه يموت مصلوبًا، وهي أشنعُ ميتةٍ يمكن أن يموتَها أنسان.

ونرُدُّ على هذا بالقول: “أمَّا الإدّعاء بأنَّ الإسلام برَّأ المسيح من الذُلِّ والهَوان على الصَّليب، فالقَتل أوَّلًا ليس ذُلًا وهوانًا، بل الإستشهاد والتَّضحيَة في سبيل الإيمان يُعتَبَر بطولةً لا ذُلًا. ألَم يُقتَلْ يحيى بحسب الإسلام؟ ألا يعترف الإسلام بأنَّ بعض الأنبياء يموتون قَتلًا في سبيل اللّه؟ يقول القرآن: «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ» (البقرَة ٨٧). هذه الآية تدُلُّ على أنَّ القَتل يمكن أن يلحَقَ بالرُّسُل، فإن كان القتلُ عيبًا يلحَقُ بالرُّسُل، فهذه الآية إذًا تنسِبُ الذُلَّ والعَار إلى الرُّسُل أيضًا.

ألا يعتقد المسلمون بأنَّ محمَّدًا وهو خاتم الأنبياء قد جرَّبَ الأذى، وتحمَّلَ المعاناة كما ورد في الأحاديث التّالية:

ضُرِبَ محَمَّد، وكسرَ رُباعيَّتَه في معركة أحَد، حيث جاء في البداية والنّهاية: «إشتَدَّ غضَبُ اللّه على قوْمٍ فعلوا بنَبيِّهِ ـ يشيرُ إلى رباعيَّتِه…»، كما روى الإمام أحمد أنَّ محمَّدًا قد «كُسِرَت رُباعيَّتُه، وشُجَّ في وجهه حتى سال الدَّمُ على وجهه» (البداية والنّهاية لإبن كثير، وسيرة إبن هشام، باب غزوة أحَد، وانظر أيضًا البُخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد).

سُحِرَ محمَّد على يَدِ يهوديٍّ اسمُه «لُبيد بنِ الأعصم» حيث روَى البُخاري: «عن عائشة قالت: سُحِرَ النّبيُّ صَلّى اللّه عليه وسَلّم حتّى إنَّه ليُخَيَّلُ إليه أنَّه يفعلُ الشَّيْءَ وما فعله…» (صَحيح البخاري، كتاب الطِبّ، باب السِّحر).

موتُ محمَّد مسمومًا من أكلِهِ ذِراعَ شَاةٍ سمَّمَتْها امرَأةٌ يهوديَّة، حيث ذكَرَ البَيهَقيُّ أنَّ امرأةً من اليهود أهدت إلى محمَّد شَاةً مسمومَةً، فقال لأصحابه: «أمسكوا، فإنَّها مسمومَة» وقال لها: «ما حمَلَكِ على ما صنَعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلَمَ، إن كنتَ نَبيًّا فسيطلعُكَ اللّهُ عليه، وإن كنتَ كاذبًا أريحُ النَّاسَ منك» (دلائل النّبوَّة للبَيهَقي، جماع أبواب غزوة خَيبر، باب ما جَاءَ في الشَّاة التي سُمِّمَت للنَّبيّ).

فإن كان الأذى قد لحقَ بمحمَّدٍ مع أنَّه رسول في الإسلام، فكيف يدَّعي المسلمون أنَّهم يُبَرِّئُون المسيح من العار الذي لحقه على الصَّليب؟ ثمَّ أليسَت العبرَة في النّهاية؟ فنهاية الصَّليب ليست عند الصَّلب بل عند القيامة، إنَّ المَسيح انتصَرَ على صالبيه حين قام من الأموات هازمًا الكراهية والقَتل والموت بقيامته. فالصَّليب ليس ذُلًا بل هو دليلٌ على قوَّةِ المَسيح القاهرَة للموت. المسيح غلبَ الصَّلبَ بقيامته. ومن الصَّليب تعلّم المسيحيُّون قيَمًا كثيرَةً منها أنَّ التّضحيَةَ في سبيل اللّه وفي سبيل محبَّةِ النَّاس شيْءٌ جيّد، وأنَّ الغفران حتى للقتلة هو القوَّة في حَدِّ ذاتِها، فالمسيح حتى وهو على الصَّليب سامحَ صالبيه قائلًا: «يا أبتاه أغفرْ لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (إنجيل لوقا ٢٣ آية ٣٤)، وهذه هي النُصرَة الحَقيقيَّة، أنَّ المحَبَّة غلبَت الكراهيَة، والحَياة غلبَت المَوت.

الخُلاصَة

الإسلام لم يكرِّمِ المَسيحَ بل جعله تابعًا لمحَمَّد ومجَرَّد مُبَشّر بمَجيئِه، وأهان وصاياه حيث ادَّعَى أنَّها حُرِّفَت من قِبَل البَشَر، وأهان أتباعَه حين ادَّعَى بأنَّهم مشركون، وجَرَّدَ المسيح من لقب الألوهيَّة، وجرَّدَه من القيامة من الأموات، بل وجرَّدَه حتى من اسمِهِ الشَّريف الذي سَمَّاه إيَّاه اللّه «يَسوع» والذي له معنًى جميل أي «اللّه يُنَجِّي» أو «اللّه يُخَلِّص» فحوَّلَه إلى اسم «عيسى» وهو اسمٌ بدون معنى، أمَّا مَجيْء المَسيح في الأيَّام الأخيرَة فقد جعَلَه الإسلام فقط لكَسرِ الصَّليب وقَتلِ الخِنزير:

«لا تقوم السَّاعة حتى يُنزلَ فيكم ابنُ مريَم حُكمًا مقسطًا فيكسِرَ الصَّليب ويقتلَ الخِنزير ويضعَ الجِزيَةَ ويُفيضَ المال حتى لا يقبلَه أحَد» (صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب كَسر الصَّليب وقَتل الخِنزير).

ولم يعترف الإسلام بأنَّ المسيح سيعود ليدين الأحياءَ والأموات كما يقول الإنجيل.

قال السيّد المسيح: «الّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي» (إنجيل يوحنَّا ١٤ آية ٢١). الذي يكرم المسيح هو الذي يعترف بإنجيله ويقرأ وصاياه كما جاءَت في الإنجيل، أمَّا الذي ليسَت عنده وصايا المسيح ولا يحفظُها فهو لا يحِبُّ المسيح ولا يكرمُه حتى لو ادَّعى غيرَ ذلك.

٩. هل صُلِبَ المَسيح؟ أم شُبِّهَ لهُم؟

إتّفاقٌ في الصَّلب إختلافٌ في المصلوب

يتّفقُ المُسلمون والمسيحيُّون على حادثة الصَّلب أنَّها وقعت، وأنَّ هناك شخصًا عُلّق على الصَّليب وأنَّه مات، وأنَّ أحداث الصَّلب حقيقيَّة، ولكن يختلف الإثنان في هُويَّةِ المَصلوب مَن يكون، فالمسيحيُّون يقولون أنَّ المصلوبَ هو يسوعُ المَسيح النَّاصريُّ ابنُ مَريَم، بينما المسلمون يقولون إنَّه شَخصٌ يُشبهُهُ ولكن ليسَ هو، ومَرَدُّ هذا الإختلاف يعود إلى الآيات القرآنيَّة التي تقول:

«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا» (سورة النّساء الآيات ١٥٧ و ١٥٨).

إذًا السُّؤَال العادل بين الإثنَين هو: كيف يثبِتُ المَسيحيُّون أنَّ المصلوب كان هو المسيح؟ وكيف يثبِتُ المسلمون أنَّ المَصلوبَ كان شَخصًا آخر غيرَ المسيح؟

أدِلـَّة المسيحيَّة

المسيحيُّون يقولون إنَّ الأناجيل تشكّل شهادةً حيَّةً على ما حصل، لأنَّها كتبت من طرَفِ أربعة أشخاص كانوا شهودَ عيان، أو كتبوا تحت إرشاد من كانوا شهودَ عيان، فيوحنّا تلميذٌ للمسيح وكان شاهدَ عيان، وكذلك متّى، أمَّا مرقس فقد كتَبَ تحت إشراف تلميذِ المَسيح بطرس، ولوقا المؤَرِّخ كتَبَ بناءً على شهادَةِ القدّيسَة مَريَم التي أعطَتْه حتى تفاصيل الأحداث التي رافقت الحَبَل والولادة. الأناجيل كتِبَت في القرن الأوَّل للميلاد فهي قريبَةٌ زَمنيًّا من حدَثِ الصَّلب، وكتِبَت من طرَفِ أناسٍ عاشوا في فلسطين القريبَة جغرافيًّا من حدَثِ الصَّلب.

أدِلـَّة الإسلام

المسلمون يعتمدون على القرآن وهو وثيقة وحيدة وليس وثائقَ أربع مثل الأناجيل الأربَعَة، والقرآن لم يكتَب من طرَفِ شاهد عيان ولا من طرَفِ شخص كتَبَ تحت إشراف مَن كان شاهدَ عيان. سيقولُ مَن يَعترض: “لقد أوحاه اللّه” هذا ليس جوابًا، هذا مجرَّد إيمان، نحن نتحَدَّث بعيدًا عن الإيمان، نتحَدَّث عن وثائق مكتوبة، وكأنَّها مقدِّمَة لمحكمةٍ لا تؤمن بالوَحي بل تفحَص الوثائق ومن كتَبَها، وفي أيِّ وَقتٍ كتِبَت، وفي أيِّ مكان كتِبَت فقط. فالقرآن ليس وثيقةً صادرةً عن شهود؛ لأنَّ محمَّدًا لم يكن من ضِمن الشُّهود. والوثيقة بعيدةٌ زَمنيًّا عن الحَدَث حيث تفصلها عنه على الأقلّ ستَّةُ قرون، وبعيدة جغرافيًّا عن مكان الحَدَث؛ حيث إنَّها كتبت من طرَف شخص عاش كلَّ حياته في شبه الجزيرة العربيَّة بعيدًا عن فلسطين على الأقلّ ١٢٠٠ كلم. وهي مسافة ليست بالقليلَة خصوصًا في ذلك الوقت.

السُّؤَال هنا: هل نصدِّقُ أربعَ وثائق أم وثيقة واحدة؟ هل نصدِّق وثائق كتبت من طرَفِ شُهود عيان أم وثيقة لم تكتب من طرَفِ شُهودِ عيان؟ هل نصدّق وثائقَ قريبةً زَمنيًّا وجُغرافيًّا من الحادث أم وثائق بعيدَة زَمنيًّا وجُغرافيًّا من الحَادث؟

خمسَة أسئِلةٍ تحَدّدُ التّفاصيل

الأناجيل الأربعة تجيب عن الأسئِلةِ الخَمسَة التي هي العَمود الفِقَريّ لأيِّ خَبَر، فبدونها لا يُعَدُّ الخَبَر خَبَرًا على الإطلاق، وهذه الأسئلة هي: من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ لماذا؟

مَن؟ يسوع النَّاصريّ الذي يلقَّب بالمسيح. ماذا؟ تمَّ القبض عليه ومحاكمتُه ثمَّ جَلدُه وصلبه ودفنه. متى؟ تمَّ ذلك يوم الجمُعة والسَّبت. كان عيدُ فِصح عند اليهود ودُفِنَ قبلَ مَغربِ الشَّمس يومَ الجُمُعة. أين؟ تمَّ القبضُ عليه في بستانٍ عند جبل الزَّيتون، وتمَّت المُحاكماتُ في بيت رئيسِ الكَهَنة قيافا وأمام المجمع، وتمَّ اقتيادُه إلى قصر بيلاطس الذي أصدَرَ الحُكم، واقتيدَ أيضًا إلى هيرودس الذي أرجعه لبيلاطس وبعد ذلك تمَّ صَلبُه في مكانٍ يسَمَّى الجُلجُلة بين لصَّين ودفنَ في بستان قريب. وكلُّ هذا حصل في مدينةِ القُدْس. لماذا؟ لأنَّ اليَهود اعتبرُوه مجَدّفًا، والرُّومان أحَبُّوا إرضَاءَ اليهود وإخماد الفِتنَة. كلّ هذه التَّفاصيل مذكورة بتدقيقٍ أكثر في الأناجيل الأربعة، وبعضُها يؤَكّد البَعضَ الآخَر أو يفسِّرُه أكثر.

القرآن بالمقابل يَطرح عليه الخَمسَة الأسئلة نفسَها إذا كان قد قال بأنَّ المصلوب هو شبيهُ المسيح: من؟ ماذا؟ أين؟ متى؟ لماذا؟ نبدأ بمن؟ من الشَّبيه؟ لا يعطينا القرآن أيَّ جواب، لا نعرف من يكون هذا الشَّبيه، فهو يشبه المسيح في وجهه وفي ملامحِه ولكنَّه ليس المسيح، ولذلك حار المفَسّرون المسلمون وأعطوا رواياتٍ كثيرَةً في الموضوع وفي الأخير قالوا اللّه أعلَم، لأنَّهم في الحقيقة لا يعلمون مَن هو الشَّبيه، وكلّ تكهُّناتِهِم هي تخمينات فقط. ماذا حصل؟ لا ندري بالتّفصيل ماذا حصل، كلّ ما نعلمُه أنَّ عمليَّة إلقاء الشَّبه قد حصلت ولا يخبرُنا القرآن أيَّ تفاصيل، ولذلك يعتَبَرُ الجَواب مبهَمًا. متى؟ متى حصل إلقاء الشَّبَه؟ هل حين تمَّ القَبض على المسيح أم أثناءَ المُحاكمة؟ أم حين علِّقَ على الصَّليب؟ أم حينَ حصَلَت الظـُّلمَة؟ أم حينَ أنزَلوه من على الصَّليب؟ أم قبل كلِّ هذا بأيَّام؟ لا ندري، القرآن أيضًا لا يعطي أيَّ جواب ويترك المفسِّرين للتكَهُّنات. أين؟ أين حصلت عمليَّة إلقاء الشَّبَه؟ هل في البستان؟ هل في القدس؟ هل في مدينةٍ أخرى؟ في قصر بيلاطس؟ أثناء المحاكمة في بيت قيافا؟ لا يعطينا القرآن أيَّ تفاصيل عن هذا الأمر. لماذا؟ لماذا حصلت عمليَّة إلقاء الشَّبَه؟ لا ندري السَّبَب، لأنَّ القرآن لا يقول، فإذا قال البَعضُ تَخمينًا أنَّ ذلك حصل لينقِذَ اللّه المسيح، فقد كان بإمكانِهِ إنقاذُه دون اللّجوْءِ إلى ذلك، كان بإمكانه رفعُه أمامَهم وهم ينظرون، وبالتَّالي لا يوجد سببٌ مقنعٌ لإلقاء الشَّبَه على شخصٍ آخر، وقد يكون هذا الشَّخص مظلومًا في الأمر. إذًا نحن أمام عَجزٍ تَامٍّ عن تقديم إجابات عن الأسئلة الخَمسَة.

السُّؤَالُ المُهمّ هنا: هل ستقبل المحكمَة شهادةَ أشخاصٍ يذكرون كلَّ التَّفاصيل أم شهادةَ شخصٍ يقدّم شهادَةً مبهمَةً لا تجيب عن أيِّ سؤالٍ من الأسئلة الخمسَة؟ هل علينا أن نصدِّقَ القرآن رغم أنَّه لا يعرف تفاصيل القصَّة؟ ما هي القصَّة البديلة لما حصل في الأناجيل؟ لا توجد قصَّة بديلة لأنَّ عناصرها الأساسيَّة غير موجودة. هذا خبَرٌ لا تنشرُه أيُّ جريدَة محترَمَة ولا يدرجُه أيُّ صحافيّ مبتدِئ، فكيف يكتبُه اللّه نفسُه؟

الأدِلـَّة الإضَافيَّة

المسيحيّون ليسوا وحدهم من تحَدَّث عن صلب المسيح بل توجد وثائق تاريخيَّة أخرى خارج الأناجيل تؤَكّد عمليَّة الصَّلب، بينما لا توجد وثائق تاريخيَّة تثبت عمليَّة إلقاء الشَّبَه.

من بين هذه الوثائق على سبيل المثال: شهادة فلافيوس يوسيفوس (٣٧-١٠٠م) وهو مؤَرّخٌ يهوديٌّ ذكَرَ في كتُبِهِ السَيِّدَ المسيح ووصَفَه بأنَّه «رجُلٌ حَكيم» وأنَّه حُكم عليه بالصَّلب. وشهادة لوسيان السَّاموساطي (١٥٠-٢٠٠م) ذكَرَ عن المسيحيّين بأنَّهم يعبدون رجُلًا حَكيمًا مصلوبًا. وكرنيليوس تاسيتوس (عاش حوالي ٥٥-١٢٠م) تحدَّثَ في كتاباته عن أشخاص يُدعَون مسيحيّين ويذكر أيضًا أنَّ المسيح قتِلَ في عهد بيلاطس البُنطيّ.

السُّؤَالُ الأخير

من نصدِّقُ إذًا: مَن ادَّعَى أنَّ (المسيحَ شُبِّهَ لهُم) دون أيّ شُهود أو تفاصيل أو أدِلـَّة خارجيَّة، أم مَن أثبَتَ أنَّ المَسيحَ صُلِبَ بالشُّهود والتَّفاصيل والأدلـَّة الخارجيَّة؟

١٠. هل الإنجيل واحِدٌ أم أربَعة؟

يقول بعضُ المسلمين إنَّ وجود أناجيل أربعة هو خيرُ دَليلٍ على أنَّ الإنجيل تعرَّضَ للتَّحريف، والمفروض إنجيلٌ واحدٌ وهو «إنجيل عيسى». والسَّبَب في هذا الخَلط هو عدَمُ فَهم مُعظَم المُسلمين للوَحي في المسيحيَّة، فهم يُسقطون المفهومَ الإسلاميَّ للوَحي على المَسيحيَّة، بمعنى أنَّه كما يعتقد المسلم أنَّ جبريل أوحى لمحمَّد بالقرآن هكذا أوحى اللّه بالإنجيل لعيسى، جبريل نقلَ الوَحيَ لعيسى فكتَبَ عيسى كتابًا ترَكَه لأتباعِه كما ترَكَ محمَّد القرآن لأتباعه، ولذلك يعتبرون وجودَ إنجيل متّى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنَّا دليلًا على أنَّ إنجيلَ المسيح ضَاع، وكتَبَ تلاميذُه مِن بَعدِه كلّ واحِدٍ إنجيلَه. وهذه الفكرَة خاطئَة جدًّا للأسباب الآتيَة.

الإنجيل هو حَياةُ المسيح وكلامُه

إنَّ كلامَ المَسيح وحَياتَه هي الإنجيل، حيث نجدُه مثلًا كان يطوف الجليل قائلًا: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ» (مرقس ١ آية ١٥) ولم يكن يحمل معه أيَّ كتاب حتّى يطلبَ منهم الإيمان به، لقد كان يقصد أنَّ النَّاس عليهم أن يصَدِّقوا كلامه لأنَّه هو الإنجيل، ولذلك أمرَ المسيح تلاميذَه أن ينقلوا سيرَتَه وكلامَه ويُذيعوها في العالم أجمع حيث قال لهم: «إذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مرقس ١٦ آية ١٥).

فأيَّ إنجيلٍ إذًا طلب المسيح من تلاميذِه أن يذيعوه للخليقَةِ كلِّها؟ إنَّه ليس كتابًا بل كان يقصد كلامَه وحياتَه، حتى لقاءَاته مع النَّاس كان يطلب منهم أن يذكروها حين ينقلون حياته، فمثلًا طلب منهم أن يذكروا المرأة التي سكبت الطّيب على رأسه حيث قال لهم: «حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهَذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَارًا لَهَا» (متّى ٢٦ آية ١٣).

أين هي تلك النُسخة؟

لا يوجد في أيِّ مرجِعٍ تاريخيٍّ أو غيره أنَّ المسيح كان عنده كتابٌ يسَمَّى الإنجيل، وعلى مَن يدَّعي ذلك أن يثبتَ وجودَ كتابٍ أوحاه اللّه للمسيح اسمُه الإنجيل، هل من المعقول أن تضيعَ النُسخَة التي بعَثَها اللّه مع رسوله في مهمَّتِهِ وينجَحَ المُزَوِّرون؟ أليس ذلك معناه أنَّ المسيح فشلَ في مهمَّتِه ونجح المزَوِّرون؟ هل اللّه أساءَ الإختيار؟ فهل بعث اللّه رسولًا بإنجيلٍ صَحيحٍ لهداية النَّاس فإذا بهذا الإنجيل يختفي ولا تبقى منه ولا نسخة واحدة بينما بقيت أناجيلُ محرَّفةً مدوَّنَةً في آلاف المخطوطات؟ هل من المعقول ولا واحد من تلاميذ المسيح اقتَبَس من النّسخة الأصليَّة أو حافظ عليها أو ذكرها لنا المؤرِّخون؟ كيف لم يسمع ولا واحد بهذا الإنجيل الذي نزل على عيسى؟

لماذا يوحي اللّه بكلامه؟

الجواب: حتى يكون هداية للبشر. السّؤَال الآخر: هل اللّه يبعث كلامه هداية للبشر ثمَّ يسمح للنَّاس بتحريفه؟ أيُّ إلهٍ هذا الذي لا يستطيع حماية كلامه من التَّحريف؟ إذا كان الملوكُ والقياصرة يصدرون أوامر ولا يسمحون لأيِّ شخص أن يعبثَ بها ويعملون كلَّ ما في وسعهم لحمايتِها فكم بالحَري الإله؟ أيُّ إلهٍ هذا الذي لم يستطع «إنجيلُه» أن يعمّرَ حتّى سنواتٍ قليلة؟

هل إنجيلُ البشَر أعظم من إنجيلِ اللّه؟

الأناجيلُ الأربعة التي لدينا اليوم بكاملِها كتبت في القرن الأوَّل للميلاد، وتناقلها المؤمنون عبر التّاريخ واقتبسوا منها ورَدَّدوها في أناشيدِهم واذّكارهم، لماذا لا نجد ولو عبارة واحدة من الإنجيل المزعوم الذي يدَّعي المسلمون وجودَه وقت المسيح؟ وإذا تأمَّلنا الزَّمَن بين وقت كتابة أوَّل إنجيل وهو «إنجيل مرقس» والوقت الذي عاش فيه المسيح نجده حوالي ٢٥ سنة (معظم الدَّارسين يضعون تاريخ كتابتِه في العِقد الذي سبقَ خرابَ الهيكل، أنظر الموسوعة البريطانيَّة)، كيف لم يعمِّرْ الإنجيل الذي أنزله اللّه على عيسى حتى ٢٥ سنة؟ هل من المعقول أن يبعث اللّه رسولًا ورسالةً عظيمةً ويبعث كتابًا لم يدُمْ عمرُهُ سوى عقدَين ونصف، ولم يكن له أيُّ تأثير، بينما استطاع البشَر كتابَةَ إنجيلٍ آخر كان له تأثيرٌ أعظم من إنجيلِ اللّهِ نفسِه وعمَّرَ ألفَي سَنَة؟ هل هذا يُعقَل؟

ما معنى إنجيل؟

إنَّ كلمة إنجيل كلمَة معَرَّبَة من اليونانيَّة، وتعني الخَبَر المُفَرِّح، وهذا الخَبَرُ السَارّ والمفَرِّح هو أنَّ اللّه تجَلّى لعبادِهِ في المسيح، فالإنجيل ليس معناه كتابًا أوحَاه اللّه لعيسى بل معناه هو حيَاة المسيح، فالإنجيل هو حياةُ المسيح نفسُها هو مجيْءُ المسيح نفسه، وبالتّالي حين دوَّنَ تلاميذُه حياتَه فقد دوَّنوا «الإنجيل»، وحتى لو كانت الأناجيل أربعةً فهي تتناول القصَّةَ نفسَها، وبالتّالي فهي خبرٌ واحد، إنجيلٌ واحد في الجَوهر، مثلما تنقل المحطَّات الإخباريَّة الخبَرَ نفسَه بصيَغٍ مختلفةٍ لكنَّه يبقى خَبرًا واحدًا، هكذا دوَّنَ تلاميذُ المسيح خبَرًا سارًّا واحدًا «إنجيلًا واحدًا» بصيَغٍ مختلفةٍ كلٌّ من زاويةٍ معيَّنَة، متّى من زاويةٍ نبَويَّةٍ يهوديَّةٍ، مرقس من زاويةٍ رومانيَّةٍ، لوقا من زاويةٍ تاريخيَّة، يوحنَّا من زاويةٍ روحيَّة، ولكنَّهم في النّهاية كلّهم نقلوا الحَياةَ نفسَها، حياة المسيح وتعاليمَه وأقواله. ولذلك نسَمّي الأناجيل الأربعة أحيانًا كثيرةً بالإنجيل بصيغَةِ المفرَد، مثلما يوجَدُ في القرآن سوَرٌ مختلفة لكنَّها تشَكّلُ قرْآنًا واحدًا، فالبقرَة قرآنٌ وآل عمران قرآنٌ، ولكنَّها ليست قرَائينَ، هكذا الأمرُ نفسُه في متّى إنجيل، ومرقس إنجيل ولوقا إنجيل، ويوحنَّا إنجيل، لكنَّها ليست أربعَةَ أناجيل مختلفَةً، بل هو الإنجيلُ نفسُه من زوايا متَنَوِّعَة.

١١. أين قال القرآن أنَّ الإنجيلَ محَرَّف؟

شاع بين المسلمين إعتقادٌ بأنَّ اليهود والنَّصارى حرَّفوا كتُبَهم، وصار كلّ مسلِم سوَاء كان عامّيًّا أو متَعَلّمًا يقبل هذا الأمر وكأنَّه من المسَلّمَات، فهل من دَليلٍ على اتّهام المسلمين للإنجيل؟

خُطورَةُ الإتّهام

إتّهامُ التَّورَاة والإنجيل والزّبور بالتَّحريف إتّهامٌ خَطير، ينبغي ألّا نُلقي به دون دليل، لأنَّ البَيّنَةَ على المدَّعي، البَيّنَة على المسلم الذي يدَّعي أنَّ الإنجيل قد تمَّ تحريفُه، وإن لم يكن لديه بَيّنَةٌ عليه أن يتوَقّفَ عن ترديد الإتّهام. هل يقبل المُسلم أن أقولَ له إنَّ القرآن تمَّ تحريفُهُ دون أن أقدِّم الدَّليل؟ هل يقبل أن أعتبرَه من المسَلّمَات دون تقديم براهين؟

الأدلـَّة على التَّحريف

إنَّ اتّهامَ المسلمين الإنجيلَ بالتَّحريف أساسُه أنَّ القرآن قال ذلك، لم يدرس المسلمون الإنجيلَ ثمَّ خرَجوا بالنَّتيجَة بل كوَّنوا الفكرَةَ مسبقًا قبل أن يطّلعوا على الإنجيل أو يدرسوه.

تحريفُ المعنى

ومن بين الآيات التي ارتكَزُوا عليها تلك الآيات التي تتّهمُ بعض اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمَّد حيث يقول القرآن: «مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ» (النّساء ٤٦) وهنا لا يتحَدَّث القرآن عن الكتاب المقدَّس أو الإنجيل بل يتحَدَّث عن اليهود الذين كانوا يتلاعبون بالكلمات حين يكلّمون المسلمين، فهم حرَّفوا بعض الكلمات ليًّا بألسنَتِهِم. والكلمات هنا ليست كلمات الكتاب المقدَّس بل الكلام العاديّ، كأن يقولوا سمِعنا وعصَينا عوَضًا عن سمعنا وأطَعنا، «فوصَفَهم بتَحريفِ الكلام بألسِنَتِهم والطَّعن في الدِّين بِسَبِّ النَّبيّ» (الطَبَريّ في تفسير النِّساء ٤٦).

وهناك آياتٌ أخرَى تتَّهِمُ اليَهودَ أيضًا حيثُ تقول: «أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرَة ٧٥) الآية هنا تتحَدَّث عن فريقٍ فقط، ولا تتحَدَّث عن الكُلّ، ففريقٌ من اليهود كان يسمَعُ كلام اللّه ثمَّ يحاول تأويله بمعنًى آخر، حيث قال الطَبَريّ: «ويعني بقوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ، ثمَّ يبَدِّلون معناه، وتأويلَه ويغيّرونَه» (الطَبَري البقرَة ٧٥) يعني أنَّهم كانوا يحرِّفون المعنى وليسَ النَصّ، فالنَصُّ عند كلِّ اليهود، وفريق منهم كان يحاول تأويل النّصوص بغير معناها الحقيقيّ، وهذا يحصل في كلِّ دينٍ وملّة، حتى في الإسلام هناك فرَقٌ تُغيّرُ معاني القرآن، تحرّفُه عن قصد أو غير قصد. تحريف المعاني لا يطعَنُ في صحَّةِ النَصّ.

تحريفُ الكتابَة

هناكَ نَصٌّ آخرُ صريحٌ يتّهمُ فريقًا من اليهود بالتّحريف بالكتابة حيث يقول: «فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ» (البقرة ٧٩) هذا النَصّ فسَّرَه الطبري بأنَّه «كان ناسٌ من اليهود كتَبوا كتابًا من عندهم يبيعون من العرَب ويحدّثونَهم أنَّه من عند اللّه لـيأخذوا به ثمنًا قليلًا» (الطبري في تفسيرِهِ للبَقرَة ٧٩). وهذا لا يُعتَبر حجَّةً ضِدَّ الكتاب المقدَّس لأنَّهم لم يحرِّفوا الكتابَ المقدَّس في ذاته بل كانوا يكتبون أيَّ شيْءٍ ويضحكون على بعض العرَب ويبيعونه إيَّاهم على أساس أنَّه كتابٌ من الكتُبِ المقدَّسة. فهل لو كتب شخصٌ كتابًا وباعه لشَخصٍ غير متعلّم على أساس أنَّه قرآن سنقول عن القرآن إنَّه تعرَّضَ للتَّحريف؟ سيظلُّ القرآنُ قرآنًا رغم هذه العمَليَّة. وبالتَّالي لا نجد أيَّ نَصٍّ صريحٍ يتّهم الكتابَ المقدَّس بأنّه كتابٌ محرَّف.

الأدلـَّة ضِدَّ التّحريف

لكن بالمقابل حتى لو اعتمدنا على القرآن سنجد أنَّ هناك ما يؤَيّد سلامَة الكتاب المقدَّس من التّحريف.

أهلُ الكتاب

يسَمّي القرآن اليَهودَ والمسيحيّين «أهلَ الكتاب» حيث وردت هذه الكلمة ٣١ مرَّةً في القرآن، هذا خير دليل على أنَّ القرآن لا يعتبر الكتاب المقدَّس محَرَّفًا، لأنَّه لو كان محرَّفًا لما صَحَّتْ تسميَةُ اليهود والمسيحيّين بأهلِ الكتاب، هل هم أهلُ كتابٍ محَرَّف؟ إنَّ تسميَتَهُم بأهلِ الكتاب هي اعترافٌ ضِمنيٌّ بصِحَّتِه أنَّه هو «الكتاب» بالألف واللّام، الكتابُ الصَّحيح، وهم أهلُه لأنَّهم لازالوا محافظين عليه.

مصَدّقـًا لما مَعَكم

من بين الأدلّةِ أيضًا كلامُ القرآن عن تصديق محمَّد بالكتاب المقدَّس الذي مع اليهود والنَّصَارى حيث يقول مثلًا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم» (النّساء ٤٧) فهل من المعقول أن يكون محمَّد مصدّقًا لما هو بينَ يدَي أهلِ الكتاب وهو محَرَّف؟ هل يصَدّقُ كتابًا مُحَرَّفًا؟ يتكرَّرُ هذا الكلام في مكانٍ آخر حيث يقول: «وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ» (البقرة ٤١) يطلب القرآن هنا من اليهود والمسيحيّين الإيمان به لأنَّه مصدِّقٌ لما معَهُم، فهو يؤَكّدُ ما معهم، فهل القرآنُ مصَدِّقٌ لما مع اليهود والمسيحيّين من التَّحريف؟

مصَدّقٌ لما بينَ يَدَيه

من التّعبيرات الأخرى التي تترَدَّد في القرآن تعبير «بينَ يدَيه» فالقرآن مصَدّقٌ لما بين يدَي محمَّد من الكتاب المقدَّس، أي أنَّه مصَدّقٌ لما يوجد في عصر محمَّد من نُسَخٍ للكتاب المقدَّس، حيث يقول: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ» (آل عمران ٣ و ٤) ويقول أيضًا: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ» (المائدة ٤٨) السُّؤَال هنا: كيف يكون الكتابُ المقدَّس محَرَّفًا ومحمَّد مصَدّقٌ له؟ هل محمّد يصَدّقُ ما بين يدَيه من الكتاب رغم أنَّه محَرَّف؟ مع العِلم أنَّ الكتابَ المقدَّس الحَاليّ يوافق المخطوطات التي كانت في عَصرِ محمَّد وما قبلَ عصرِ محمَّد بقرون.

آياتُ اللّه

لا يكتفي القرآن بذلك بل يسَمّي الكتابَ المقدَّس «آيات اللّه» حيث يقول عن أهلِ الكتاب: «لَيْسُواْ سَوَاء مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ» (آل عمران ١١٣) يتحَدَّث القرآن هنا عن المخلصين من أهل الكتاب الذين يطبّقون دينَهُم، وبطبيعة الحال فإنَّهم يقرَؤُون الكتابَ المقَدَّس، ويسَمّي القرآن هذه القراءَةَ أنَّها تلاوَةٌ لآياتِ اللّه، فهل القرآن يسمّي كتابًا محَرَّفًا بأنَّه آياتُ اللّه؟

الخُلاصَة

توجد آياتٌ كثيرَةٌ في القرآن تؤَكّد صحَّةَ الكتاب المقدَّس، وبالمقابل لا توجد آيةٌ واحدةٌ صريحة تتّهمُ الكتابَ المقدَّسَ بالتّحريف، فأين قال القرآنُ أنَّ الكتابَ المقدَّسَ محَرَّفٌ؟

١٢. هل يؤمنُ المسلمون بجَميع الأنبيَاء؟

لكثير من المسلمين يردِّدون هذه المقولة حتى صارت مشهورَةً ومتداولة بين النَّاس بكثرة وكأنَّها دليلٌ على صحَّة الإسلام وخطأ المسيحيَّة وغيرها من الأديان، المقولة تقول على لسان المسلمين:

«نحن نؤمن بكلِّ الأنبياء، نؤمن بموسى وعيسى ومحمَّد، فإذا كان اليهود على صواب فنحن معهم، وإذا كان المسيحيُّون على صواب فنحن معهم، وإذا كان المسلمون على صواب فسوف يدخلون الجنَّة ولن يدخلَ معهم لا اليَهودُ ولا النَّصَارى لأنَّهم أنكروا نبُوَّةَ محمَّد».

المشكلة في هذا الكلام أنَّه كلام غيرُ علميٍّ وغيرُ حَقيقيّ، ما هو الإيمان؟ كيف نقول أنّنا نؤمن بموسى مثلًا وفي الوقتِ نفسِه نقول إنَّ توراتَه قد حُرِّفَت؟ كيف نؤمن بالمسيح وفي الوقتِ نفسِه نقول إنَّه ليس كما وُصف في الإنجيل، إنَّه ليس صورَةَ اللّه وإنَّه لم يَمُتْ ولم يَقُمْ من بين الأموات؟

الإيمان: كَمْ أو كَيفَ؟

الإيمان ليس بالكَمّ بل بالكَيف، يعني أنَّه ليس كلّ مَن يؤمن بأكبر كَمٍّ من الشَّخصيَّات سيحصل على مزايا أتباع تلك الشَّخصيَّاتِ، وإلّا سنَقولُ إنَّ الأحمَديَّة أحسَنُ مِنَ الإسلامِ نفسِه: لأنَّهُم يؤمنون ببوذا، وموسى، وعيسى، ومحمَّد، وميرزا غلام أحمَد، فإن كان البوذيّون على حَقّ نجا معهم الأحمديّون، وإن كان اليهود على حَقّ الشَّيْء نفسُه، وإن كان المسيحيُّون على حَقٍّ سيحصلون على الخَلاص معهم، وإن كان المسلمون على حَقّ سيدخلون الجنَّةَ معهم، وإن كان ميرزا غلامُ أحمَد على حَقّ لن يدخلَ لا البوذيُّون ولا اليهود ولا النَّصَارى، ولا المسلمون، وبالتّالي الأحمديُّون هم الفرقة الرَّابحَة لأنَّهم يؤمنون بأكبر عدَدٍ من الشَّخصيَّات الدّينيَّة. وإذا جاءَت ديانةٌ أخرى بعد الأحمَديَّة وآمن أتباعُها بشخص جديد بالإضافة إلى كلّ القائمة التي يؤمن بها الأحمَديُّون ستكون هي الأفضل لو اعتمدنا المقياسَ أعلاه نفسَه، ولن تنتهيَ القصَّة وتبقى مستمرَّةً إلى ما لانهاية، والرَّابح دائمًا هو آخرُ الأديان.

الإيمان: إنتقائيٌّ أو قبولٌ كامل؟

الإيمان لا يعني مجرَّد الإعتقاد بوجود شخص أو ببعض صفاته، بل الإيمان به كما جاء في الكتُب التي حوَت تعاليمَه والأقرب زَمَنيًّا إليه. بمعنى أنّني إذا قلت بأنّي أؤمن بموسى وأنكرتُ تعاليمَه كما جاءَت في التَورَاة التي نعرفها وادَّعَيت أنَّها حُرِّفَت فأنا في الحقيقة لا أؤمن بموسى بل أؤمن بنُسخةٍ مشوَّهةٍ عن موسى، وإذا قلتُ إنّني أؤمن بعيسى وأنكرتُ ما جاء عنه في الأناجيل وهي الأقرب تاريخيًّا إليه، وهي التي حَوَت تعاليمه، فإنّني في الحقيقة لا أؤمن بعيسى بل أؤمن بنُسخةٍ مشوَّهةٍ من عيسى الأصل. وإذا قلت إنّني أؤمن بمحمَّد ثمَّ لم أؤمن بما جاءَ عنه في القرآن والأحاديث، فإنّني في الحقيقة لا أؤمن بمحمَّد إنّما بنسخة مشوَّهة منه، فلكي يقول شخصٌ إنّه يؤمن بالمسيح عليه أن يؤمن به كما جاءَ في الإنجيل لا كمَا جَاءَ في غيرِهِ من الكتُب، ولكي يؤمنَ شَخصٌ بمحمَّد عليه أن يؤمن به كما جاءَ في القرآن والحديث لا كما جاء في كتُبٍ متأخّرَة. فإذا كان المسلم يدَّعي أنَّه يؤمن بالمسيح رغم تكذيبه لما جاء عنه في الإنجيل فإنّي أسأله:

هل ستقبل أنَّ أصحاب الطائفة الأحمَديَّة مؤمنون بمحمَّد وهم يعَلّمون أنَّ ميرزا غلامَ أحمَد نَبيٌّ جاءَ من بعد محمَّد وأتى بكتُبٍ أخرى غير القرآن وكانَ مُكمِّلًا للإسلام؟

سيقول المسلم: الأحمَديَّة غير مؤمنين بمحمَّد لأنَّهم لا يؤمنون أنَّه خاتم الأنبياء، ولأنَّهم يضيفون كلامًا آخَر إلى القرآن ويعتبرونه من عند اللّه.

حينها سأقول: إنَّ الشَّيْءَ نفسه ينطبق على المسلمين الذين يردّدون المقولة أعلاه: فالمسلمون غيرُ مؤمنين بالمسيح لأنَّهم لا يعتبرونه هو الخاتم، هو الألف والياء، هو البداية والنّهاية، ولأنَّهم أيضًا يضيفون القرآن إلى ما يؤمن به المسيح ويعتبرونه كلامَ اللّه رغم ما يناقض ما جاء في الأناجيل. ويكذّبون حادثة الصَّلب وحادثة القيامة ويكذّبون ألوهيَّةَ المسيح، فكيف يكونون مؤمنين بالمسيح وهم ينكرون أهَمَّ ما جاءَ به في إنجيلِه؟

سيقول المسلم: نحن نؤمن بما جاء به المسيح في الإنجيل الأصليّ الذي اختفى وحُرَّف.

سأقول له: للأسف، هذا التّحريف لا يحمي القرآن من أيِّ انتقاد مماثل. وبإمكان الأحمديَّة أو أي طائفة أخرى أن تدَّعي الأمرَ نفسَه بخصوص محمَّد، أنَّهم يؤمنون به كما جاءَ في القرآن الأصليّ الذي أحرقه عثمان وحُرِّف، ربَّما كان محمَّد في ذلك القرآن ليس هو خاتمَ الأنبياء. فهل هذا سيُعتبَر حجَّة؟ طبعًا لا، فكلُّ من يقول إنَّه يؤمن بمحمَّد وينتقص أيَّ صفة من صفاته التي جاءَت في القرآن أو الحديث فهو في الحقيقة غيرُ مؤمن بمحمَّد، وكذلك كلُّ من يقول إنَّه يؤمن بالمسيح وينتقص أيَّ صفة من صفاته التي جاءَت في الأناجيل فهو في الحقيقة غيرُ مؤمن بالمسيح.

المسيح قال عن نفسه: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ» (رؤيا ١ آية ٨)، والمسلمون يعتبرون محمّدًا رسولًا جاءَ من بعد المسيح، وبالتّالي فهم يكذّبون المسيح.

المسيح قال عن نفسه: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» (يوحنّا ١٤ آية ٩)، والمسلمون يعتبرون المسيح مجرَّد بشر، ينكرون ألوهيَّتَه، وبالتالي يكذّبون ما قاله عن نفسه.

المسيح قال: «إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ» (لوقا ٢٤ آية ٧). بينما المسلمون يعتبرون أنَّ المسيح لم يصلب: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ» (النّساء ١٥٧) وبالتّالي فهم يكذّبون ما قاله المسيح عن نفسه.

المسيح قال: «اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ» (متّى ٢٤ آية ٣٥)، والمسلمون يعتَبرون الإنجيل قد تعرَّضَ للتَّحريف، وبالتّالي فهم يكذّبون ما قاله المسيح عن نفسه.

الخلاصَة

هي أنَّ المسلمين في الحقيقة لا يؤمنون بالمسيح بل يؤمنون بنسخةٍ مختلفةٍ عن المسيح الأصليّ الذي ذكَرَتْه الأناجيل وهي الأقرب إليه تاريخيًّا وجغرافيًّا وكُتبَت بواسطة تلاميذه. لا يمكن أن نعتبر النّسخة الإسلاميَّة عن المسيح إيمانًا حَقيقيًّا بالمسيح، الإيمان الحَقيقيّ بالمسيح هو الإيمان بكلامِهِ كما نقله عنه تلاميذُه، وكلّ مَن لا يؤمن بالأناجيل لا يُعتبَر مؤمنًا بالمسيح حتّى لو اعترف بوجودِهِ تاريخيًّا وبمُعجزَاتِه وبعظمته، فالإنتقاص من المسيح في صفَةٍ واحدةٍ من صفاته يُعتَبَر إنتقاصًا منه في باقي الصِّفات، ويُعَدُّ عدَمَ إيمان به، فإمَّا أن يكون الإيمانُ كاملًا أو لا يكون.

١٣. رسَالة محَمَّد ورسَالة المسيح

يعتقد المسلمون أنَّ تعاليم محَمَّد وتعاليم المسيح هما من المصدر نفسِه، وبالتَّالي فإنَّ من يتبَع محمَّد ويؤمن به فهو يتبع المسيح حتمًا ويتبع موسى وباقي الأنبياء. لكن كلّ مَن يدرس تاريخَ الأديان يعرف أنَّ تعاليمَ المسيح، المدَوَّنة في أقدم المصَادر وهي الأناجيل، تختلف تمامًا عن تعاليم محمَّد المدَوَّنَة في أقدم المصَادر وهي القرآن والحديث والسِّيرَة. وهذه الإختلافات كثيرَة، لكن سنكتفي بالتَطَرُّق إلى بعضِها في هذا الفصل.

رسَالة محمَّد

عندما كان محمَّد في قريش بين قومه، هدَّدَهم قائلًا: «لقد جئتُكُم بالذَّبح» (السِّيرَة النّبويَّة لإبن هشام)، وفي مكانٍ آخر قال: «أُمِرتُ أن أقاتلَ النَّاس حتى يشهدوا أنَّ لا إله إلّا اللّه وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللّه» (صَحيح البُخاري، كتاب الإيمان).

وفي حديثٍ آخر قال: «جُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رمحي» (مسند أحمَد). فالعُنف هو وسيلةُ محمَّد للتَّغيير وللحُصول على رزْقِهِ. لقد جاء بالذّبح والقتال ليُرغِمَ النَّاس على إتّباعِه.

ولا يقتصر هذا على الأحاديث فقط، إذ نجد في القرآن الرِّسالةَ نفسَها: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ» (الأنفال ٣٩). فالقتالُ هو الوسيلة التي شرَّعَها محمَّد لكي يجعَلَ النَّاس كلّهم يتبعون الدِّينَ الإسلاميّ ويُنهي باقي الأديان فيكون بذلك الدِّين كلّه للّه.

رسَالة المَسيح

أمَّا السيّدُ المسيح فقد صرَّحَ أنَّ رسالتَه مختلفة، حيث قال: «اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ» (الإنجيل بحسب يوحنَّا الأصحاح ١٠ الآية ١٠). فالمسيح جاءَ ليُعطي للنَّاس حياةً أفضل. فبدَلًا من الإكرَاه والقتال، أخبر أنَّه جاء ليهَبَ السَّلام حيث قال: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أَنَا أُعْطِيكُمْ. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ» (الإنجيل بحسب يوحنَّا الأصحاح ١٤ الآية ٢٧). لقد جاءَ ليُعطيَ للنَّاس سلامًا، خصوصًا السَّلام الدَّاخليّ المختلف كليًّا عمَّا يجده الإنسان في هذا العالم.

قد يقولُ قائلٌ: لكن المسيح قال أيضًا: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْض. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالاِبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ١٠ الآيات ٣٤ إلى ٣٦).

بلى، لقد قال السيّد المسيح هذا الكلام، لكن ما الذي كان يقصده؟ لم يحمل المسيح سيفًا قَطّ، ولذلك من المستحيل أن يكون قد علّمَ أتباعَه العنف. إنَّه هنا يتحَدَّث عن العنف الذي سيُمارس ضِدَّ أتباعِهِ لا ضِدَّ أعدائه. فإتّبَاع المسيح والإلتزام بتعاليمه سوف يكلّفُ تلاميذَه الكثير، كالتعرُّض للسَّيف والقَتل، وسيقوم ضدَّهم أبناؤُهم وآباؤُهم وباقي أهل بيتهم. وقد وضَّحَ السيّد المسيح هذا الأمر في مكانٍ آخر فقال: «سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلّهِ» (الإنجيل بحسب يوحنَّا الأصحاح ١٦ الآية ٢)، فالسَّيف الذي تحدَّث عنه سيُسَلّط من طرَفِ الآخرين على تلاميذ المسيح، وليس أمرًا موَجَّهًا إلى تلاميذ المسيح بأن يقتلوا الآخرين بالسَّيف. وهذا ما يحصلُ فعلًا حتّى الآن ضِدَّ أتباع المسيح في أماكنَ كثيرَةٍ في العالم. فمثلًا، حين يصير شخصٌ مسيحيًّا في السُّعوديَّة، يتعرَّض لحُكمِ الرَّدَّة، ويتعرَّض للسَّيف الذي قال عنه السَيّد المسيح، فيصير أهلُ بَيتِهِ أعداءَه، لأنّهم يقومون ضِدَّه ويضطهدونه.

لأجل مَن جَاءَ محمَّد؟

لو جاءَ مريضٌ إلى طبيبٍ ما فإنَّه يبحَثُ عن العلاج والدَّوَاء، لكنَّنا نُفاجَأ حين نقرَأ في القرآن أنَّ محَمَّدًا علّمَ شيئًا آخر عن اللّه. فالقرآن يقول مثلًا عن النَّاس الذين لديهم قلوبٌ مريضَة: «فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ» (سورة البقرَة الآية ١٠) تخيَّل لو ذهَبَ شخصٌ إلى طبيب فزَادَه الطّبيب مرَضًا، فماذا سنقول عن ذلك الطبيب؟ هل هو مُنقذٌ أم مُهلِكٌ؟

لم يكن محمَّد يبحث عن المساكين من النَّاس ليخَلّصَهم، بل كان يبحث عن الأتباع والرِّجال لكي يزداد قوَّةً بهم ويتقوَّى جيشُه. فحين جاءَه عبدُ اللّه بنُ أمِّ مكتوم الأعمى، يقول القرآن إنَّ محمَّدًا «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى» (سورة عبس الآيات ١ و ٢) صحيح أنَّ القرآن عاتبَ محمَّدًا على هذا الأمر، لكن القرآن فعل ذلك بعد أن عُرفَ الأمرُ بين النَّاس وعاب النّاسُ على محمَّد فعلَه ذاك، فجاءَ القرآن منقذًا لكي يحفظ ماءَ وَجهِ محمَّد.

لأجل مَن جَاءَ المَسيح؟

ماذا عن السَيّد المسيح؟ لقد قال عن نفسِه في بداية خدمَتِه: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ» (الإنجيل بحسب لوقا الأصحاح ٤ الآيات ١٨ و ١٩) لقد جاء ليبشّر النَّاس ويدخل الفرحَة إلى قلوبِهم، ليشفيَ الذين كسِرَت قلوبُهم وليحَرّر الأسرى روحيًّا، ويعطيَهم فرصة جديدة للحياة. وحين جلس السيّد المسيح مع النَّاس المهَمَّشين ومع المساكين والمنبوذين، إنتقدَه رجالُ الدّين فقالوا لتلاميذه: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ٩ الآية ١١) فأجابهم السيّد المسيح بعبارَاتٍ رائعة: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى… لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ٩ الآية ١٢ و ١٣). لم يزدْهُم السيّد المسيح مرَضًا، بل جَاءَ من أجلهم، من أجل أن يشفيَ قلوبَهم، فهؤُلاء المرضى، لا المتديّنون الذين يعتقدون أنَّهم أحسَن من باقي النَّاس، هم أحوج النَّاس إلى الشِّفاء.

رسالتان مختلفتان

وهكذا فإنَّ الفرقَ شاسعٌ بين الإثنَين. فالفرق كبيرٌ بين الهدَفِ مِن مَجيْءِ محمَّد، وهو التَّغيير بالعُنف، والهَدَف من مجِيْءِ المسيح، وهو التّغيير بالكلمة. والفرق كبيرٌ بين المستَهدف من مَجيئِهما. إذ كان محمَّد يستهدف الأقوياء والوُجَهاء ليضُمَّهم إلى أتباعه وجيشه، بينما المسيح يبحث عن المرضى والمساكين ليخدمَهم وينقذَهم ممَّا هم فيه. فإلى أيِّهما ترى أنّكَ تحتاج، هل من يزيدُكَ مرَضًا أم الذي جاءَ خصّيصًا لكي يشفيَكَ من أمراضِكَ؟

لا يوجد أروَع ممَّا قاله المسيح عن نفسِه موَجّهًا دعوَتَه للنَّاس: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ١١ الآية ٢٨).

١٤. هل تنَبَّأتِ التّورَاة عن مَجيْءِ محمَّد؟

يقول القرآن على لسان اللَّه إنَّه سيكتب رحمته لبعض أهل الكتاب «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ» (سورة الأعراف ١٥٧). وبناءً على هذه الآية وغيرها، يعتقد المسلمون أنَّ النّبوءَات عن محمَّد موجودة في التّورَاة والإنجيل، وأنَّ اليهود والمسيحيّين يُخفون هذه النّبوْءَات. ولذلك يحاول بعض الدُّعَاة الإستعانَةَ ببعض الآيات الموجودة في التّورَاة والإنجيل وتفسيرَها على أنَّها هي الآيات التي تحمل نبوْءَات عن مَجيْءِ محمَّد كنَبيٍّ. (أنظر أيضًا الفصل «هل تنَبَّأ الإنجيل عن مَجيْءِ محمَّد؟»)

النّبوْءَاتُ التّورَاتيَّة

من أهمِّ الآيات التي يستخدمها الدُّعاة المسلمون في هذا الإطار تلك الموجودة في سِفر التّثنية: «أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ» (سفر التثنية ١٨ آية ١٨) يقول هؤُلاء الدُّعاة إنَّ هذه الآية تتحدَّث عن نبيٍّ مثل موسى، وبالتالي فهي تتحَدَّث عن محمَّد لا عن المسيح، لأنَّ محمّدًا أكثر شبَهًا بموسى من المسيح. فمحمَّد ولد من أبَوَين مثله مثل موسى، في حين أنَّ المسيح ولِدَ من دون أبٍ. وكان محمَّد في نظرهم نَبيًّا وقائدًا عسكريًّا في الوقتِ نفسِه مثل موسى، بينما لم يكن المسيح كذلك. ومات محمَّد مثل موسى موتًا طبيعيًّا، وأمَّا المسيح فقد صعِدَ إلى السَّماء…

وهكذا تمضي أوجُهُ المقارنة لتثبتَ أنَّ محمَّدًا هو المقصود بهذه النّبوءَة لأنَّه، لا المسيح، النَّبيُّ الذي مثل موسى. فالمسيح يختلفُ كثيرًا عن موسى.

ويقول الدُّعاةُ أنفسُهم إنَّ هذه الآية تتحَدَّث عن خروج هذا النّبيّ من وسط إخوَةِ اليَهود، وبما أنَّ إخوَةَ اليَهود هم إسماعيل، فإنَّ المقصود هو محمَّد الذي جاء من وسط العَرَب، من وسطِ إخوَةِ اليهود. وأمَّا المسيح فلم يأتِ من وسط إخوَتِه بل أتى من اليهود أنفسِهم.

إخوَتُكَ

وللرَّدّ على مثل هذا التَّفسير، نقول إنَّه بعيدٌ كلَّ البُعد عن المقصود بالآية. فالآية تتحَدَّث عن المسيح الآتي الذي سوف يُقيمُه اللّه من وسط اليهود. والدَّليل على ذلك أنَّ كلمة إخوَتِهم لا تعني البتّة أيَّ شَعبٍ آخر غير اليهود.

فاليهود لا ينظرونَ إلى العَرَبِ كإخوَةٍ لهم. فاليَهود هُم الإخوَة فيما بينهم، في حين أنَّ باقي الأمم ليسوا إخوَةً في هذا السِّياق. ودليل ذلك هو أنَّ سفر التثنية الذي جاءَت فيه هذه الآية يتحَدَّث عن أنَّ الملكَ أيضًا سيكون من وسط إخوَتِهم، حيث يقول اللّه مخاطبًا شعبَ إسرائيل بالمُفرَد:

«مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكًا كَجَمِيعِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي. فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلَهُكَ. مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكًا. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلاً أَجْنَبِيًّا لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ» (سفر التثنية ١٧ آيات ١٤ و ١٥).

فإذا كان النّبيُّ الذي ينتظره اليهود من العرَب لأنَّهم إخوَةُ اليَهود في نظر الدُّعاةِ المسلمين، كان ينبغي أن يكون الملوك الذين ملكوا على اليهود من العَرَب أيضًا، لأنَّ المَلِكَ ينبغي أن يكون من وسط إخوة إسرائيل، لكن الآية واضحة تقول: «لا يحلُّ أن تجعلَ عليك رَجُلًا أجنَبيًّا ليس هو أخاك». فالأجنبيُّ سوَاءٌ كان عرَبيًّا أم غيرَ عربيّ فهو ليس بأخ لليهود، ولذلك لا يحلُّ أن يجعلوه ملكًا. وبالتّالي، وبالمِعيارِ نفسِه، ينبغي أن يكونَ النّبيُّ يَهوديًّا، ولا يجوز أن يكون أجنَبيًّا بأيِّ حالٍ من الأحوال، لأنَّ الأجنَبيَّ ليس أخًا لليَهوديّ.

تشابُهُ الأنبيَاء

وفوق هذا كلِّه، ليس المقصودُ بوَجهِ الشَّبَهِ بين النَّبيِّ الموعود وموسى التّشابُهَ في الوالدَين أو طريقةِ الموت أو في القيادة العسكريَّة، وإلّا أمكنَنا أن نجد اختلافاتٍ أيضًا بين موسى ومحمَّد. فموسى كان متعَلّمًا في بيت فرعون أفضلَ تعليم، لكن محمَّد كان أمّيًّا في نظر المسلمين، فهل يستوي الأمّيُّ والمتَعَلّم؟ وموسى ولِدَ من أبوَين مؤمنَين بينما محمَّد ولد من أبوَين مُشرِكَين، فهل يستوي المُشرِكُ والمؤمن؟ ورغم ذلك نقول إنَّ المقصود ليس هو هذا النَّوع من التّشابُه. فالمقصود شيْءٌ آخر، وهو التّشابُه في قوَّةِ المُعجزات والآيات. فمن أين نعرف ذلك؟ من السِّفرِ نفسِهِ «سِفر التثنية» الذي يقول في آخره:

«وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ، فِي جَمِيعِ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَرْسَلَهُ الرَّبُّ لِيَعْمَلَهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ عَبِيدِهِ وَكُلِّ أَرْضِهِ، وَفِي كُلِّ الْيَدِ الشَّدِيدَةِ وَكُلِّ الْمَخَاوِفِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي صَنَعَهَا مُوسَى أَمَامَ أَعْيُنِ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ» (سِفر التثنية ٣٤ آيات ١٠ إلى ١٢).

لم يقُمْ أيُّ نَبيٍّ في إسرائيلَ بإجرَاءِ الآيات والعجائب والمخاوف العظيمَة كالتي صنَعَها موسى. ولذلك كان اليهود ينتظرون قدومَ هذا النَّبيّ الموعود، ولم ينطبق ذلك إلّا على المسيح، الذي قام بمعجزات وآيات عظيمة. ولذلك حين أرسَلَ «يوحنَّا المعمدان» (يَحيى) اثنَين من تلاميذه ليسألا المسيحَ إن كان هو النَّبيَّ الآتي أم ينتظرون آخر، قال لهم السيّد المسيح:

«إذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ» (الإنجيل بحسب متّى ١١ آيات ٤ و ٥).

لقد أكَّدَ لهم السيّد المسيح أنَّه هو النَّبيّ الآتي من خلال الآيات والمعجزات التي كان يقوم بها. وأمَّا محمَّد، فقد قال عنه القرآن: «وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ» (سورة الإسراء ٥٩). فاللّه بحسب القرآن لم يُرِدْ إعطاءَ محمَّد أيّ مُعجزة لأنَّ الأوَّلين سبقَ أن كذَّبوا بالمُعجزات، بينما موسى كانت له معجزات كثيرة واضحة أجرَاها اللّه على يدَيه أمام أتباعه وأعدائه، وبالتّالي لا يمكن أن يكون محمَّد شبيهًا بموسى في قوَّة الآيات والمعجزات التي عملها.

الوَعد الذي تحَقّق

وأمَّا الدَّليل الأخير الذي نختمُ به في تفسير هذه الآيَة فهو أنَّ المَسيحيّين الأوائل بشَكلٍ عامّ، وتلاميذ المسيح على نحوٍ خاصّ، فهموا من هذه الآيَة في سِفر التّثنيَة أنَّها عن المسيح الموعود، وليست عن شخصٍ آخر سيأتي من العَرَب. ولذلك نجد بطرُس تلميذَ المسيح يستشهد بهذه الآية من سِفر التثنية ليذَكّرَ اليهود بأنَّ المَسيح هو النَّبيّ الموعود الذي ذكَرَه موسى من قَبل. فقد قال لهُم:

«وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ… فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ» (سِفر أعمال الرُّسُل ٣: ٢٠ إلى ٢٢).

فكيف تكون الآية عن محمَّد وجميعُ اليهود فهموا أنَّها عن المسيح المنتَظَر، وفهم جميعُ المسيحيّين أنَّها تشير إلى يسوع النّاصريّ بصفتِه المسيحَ الموعود؟ وكيف تكون الآية عن محمَّد وهي تتحَدَّث عن نَبيٍّ سيأتي من وسط اليهود؟ سيقول قائل: المسيح إلهٌ عند المسيحيّين، وبالتَّالي فإنَّ هذه الآيَة لا تجوز في حَقّه. ونرُدُّ فنقول إنَّ المَسيح، رغم كونِهِ اللّه المتَجَسّد في المسيحيَّة، إلّا أنَّ له ألقابًا وأدوارًا أخرى. فهو نَبيٌّ أيضًا في نظر المسيحيّين، لكنَّه ليس مجَرَّد نَبيّ. فهو نَبيٌّ وأكثر من نَبيّ. فقد وردت عنه آياتٌ كثيرة تتحَدَّث عن كونه نَبيًّا في الإنجيل. فعلى سبيل المثال، قالت المرأة السَّامريَّة له: «أَرَى أنَّكَ نَبيّ» ولم يصَحّحْها قَطّ، بل ثَنَّى على قولها (الإنجيل بحسب يوحنَّا ٤ آية ١٩) وقال مشيرًا إلى رفض قومِه له: «لَيْسَ لِنَبِيٍّ كَرَامَةٌ فِي وَطَنِهِ» (الإنجيل بحسب يوحنَّا ٤ آية ٤٤)، وبالتّالي يَعُدُّ نفسَه نَبيًّا أيضًا.

الخلاصَة

الخلاصَة هي أنَّ المسيح هو النَّبيُّ الموعود في سِفر التّثنيَة لا أي شَخص آخر سواه، أمَّا محمَّد فلم يُذكَرْ قَطّ في التَّورَاة.

١٥. هل تنَبَّأ الإنجيلُ عن مَجيْءِ محمَّد؟

نجدُ في القرآن إشارَةً إلى أنَّ الإنجيل تنَبَّأ بمجيْءِ نبيٍّ اسمُه أحمَد، حيث يقول: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ» (سورة الأعراف ١٥٧). وبحسب هذه الآية، وآيات أخرى، يزعم المسلمون أنَّ نبُوَّاتٍ عن محمَّد كانت موجودةً في التّوراة والإنجيل، لكنَّ اليهودَ والمسيحيّين حذفوها. ولمحاولة إثبات تلك المزاعم، يشير علماءُ الإسلام والدُّعاة إلى بعض الآيات من التَّوراة والإنجيل (أنظر الفَصل «هل تنَبَّأتِ التَّوراةُ عن مَجيْءِ محمَّد؟»).

نبوَّات العَهد الجَديد

بحسَب القرآن، كان المسيحُ بمثابةِ النّبيّ الذي جاء ليبشّرَ بقدوم النَّبيّ المنتَظَر، النّبيّ الذي اسمُه أحمَد: «وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (سورة الصَفّ ٦).

وقد تفنَّنَ الدُّعاةُ والمفسّرون في البحث عن آيةٍ إنجيليَّةٍ توافق ما تقوله هذه الآية القرآنيَّة، لكنَّهم لم يجدوا آيةً واحدةً يقول فيها المسيح صراحَةً إنَّ هناكَ نَبيًّا سيأتي من بعدِهِ اسمُه أحمَد.

النَّبيّ أحمَد

إدَّعى ابنُ إسحاق، كاتبُ سيرة محمَّد، أنَّ هناك آيةً تتحَدَّث عن قدوم «المنحمنا» بالسّريانيَّة وهو البارقليط باليونانيَّة أو المعَزّي، كما تقول بعض الترجمات، والمقصود بهذه الآيات، بحسب إبن إسحاق، هو النّبيّ «أحمَد» الذي هو أحد أسماء محمَّد كما يقولون.

إقتبس ابنُ إسحاق بعض الكلمات من إنجيل يوحنَّا ليستدِلَّ على أنَّ الإنجيل سبقَ أن تنَبَّأ بمجيْءِ محمَّد، فقال إنَّ المسيح قال لتلاميذه: «فلو قد جاء الْمُنْحَمَنَّا هذا الذي يرسله اللّه إليكم من عند الرَّبّ، وروح القدُس، هذا الذي من عند الرَّبّ خرج، فهو شهيد عليَّ وأنتم أيضًا، لأنَّكم قديمًا كنتم معي في هذا قلت لكم لئَلّا تَشكّوا، والمـُنحَمَنَّا بالسّريانيَّة: محمَّد، وهو باليونانيَّة: البَرَكليطوس. صَلّى اللّه عليه وآلِهِ وسَلّم» (السّيرَة النّبويَّة لإبن هشام، ج ١، ص ٣٩٤ و ٣٩٥). ومن وقتِ إبِن إسحاق إلى اليوم ما زال الدُّعاة المسلمون يقتبسون من إنجيل يوحنَّا على أنَّه يتحَدَّث عن مجيْءِ أحمَد، الذي هو محمَّد!!

فَحصُ الزَّعم بالنّبوَّة

دعونا نقتبس هذه الآيات المذكورة من إنجيل يوحنَّا ونستَبدل كلمَةَ المعَزّي بكلمَةِ أحمَد لنرى إن كان المقصود هو نَبيَّ الإسلام حقًّا.

نأخذ الآية الأولى: «وَأَمَّا الْمعَزّي [أحمَد]، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (الإنجيل بحسَب يوحنّا ١٤ آية ٢٦).

هل محمَّد نَبيّ الإسلام هو الرُّوحُ القدُس؟ أليس روحُ القدُس في العقائد الإسلاميَّة جِبريل؟ هل هذا يتوافق مع بقيَّة العقائد الإسلاميَّة؟ هل أرسل اللّه محمَّدًا باسم المسيح؟ تقول الآية إنَّ هذا المعَزّي سوف يرسله اللّه باسم المسيح، أي ليُناديَ باسم المسيح. فهل كانت رسالةُ محمَّد هي المناداة باسم المسيح؟

والآن نأخذُ الآية الثّانيَة: «وَمَتَى جَاءَ الْمعَزّي [أحمَد] الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي» (الإنجيل بحسب يوحنَّا ١٥ آية ٢٦).

فهل محمَّد نَبيٌّ أرسله السيّد المسيح؟ لأنَّ هذه الآية تتحَدَّث عن المعَزّي كمرسَل من طرَفِ المسيح. فهل يؤمن المسلمون أنَّ محمَّدًا هو رسول المسيح؟ وتقول الآية إنَّ هذا المعَزّي هو روح الحَقّ، أي روح اللّه لأنَّ اللّه هو الحَقّ، فهل محمَّد هو روح اللّه؟ وهل جاءَ محمَّد ليشهدَ للمَسيح أم أتى برسالةٍ جديدة؟ إذ ستكون وظيفة المعَزّي الموعود أن يشهد للمسيح. ولذلك على كلّ مَن لا يقول إنَّ المقصودَ بكلمة المعَزّي هو نَبيُّ الإسلام أن يتحَمَّلَ نتائج تفسيره. فالآية لها سياقُها، ومن شأن وضع كلمةٍ مكانَ أخرى أن يجعل المسلمين يتورَّطون في معارضَةِ عقائِدِهم الأخرى.

والآن نأخذ الآية الثّالثة: «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مَعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ» (الإنجيل بحسب يوحنَّا ١٤ آيات ١٦ و ١٧).

فهل محمَّد هو أحمَد آخَر إذًا؟ من هو أحمَد الأوَّل؟ يوجد بحسب هذه الآية أحمَدَان لا أحمَد واحد. وهل محمَّد لم يرَهُ العالم؟ لأنَّ المعَزّي غيرُ مرئيّ بحسب هذه الآية لأنَّ العالم لن يراه. وهل مكثَ محمَّد مع التَّلاميذ إلى الأبد؟ فالمعَزّي الموعود سيكون مع التلاميذ إلى الأبَد، بينما مات محمَّد كما يموت جميع البشر. وهل سيكون محمَّد داخل النَّاس، «فيهم»؟ لأنَّ المعَزّي الموعود يكون داخلَ الإنسان، فالمسيح قال لتلاميذه: «ويكون فيكم». ومن المؤَكّد أنَّ محمَّدًا لم يكن في النّاس. المعَزّي الموعود في هذه الآيات هو روحُ اللّه، الرُّوحُ القدُس. وهو معَزٍّ لأنَّه يعَزّي النَّاس، وهو معَزٍّ آخر، لأنَّ المسيح كان يعَزّي تلاميذه. وحين ارتفَعَ عنهم بعَثَ إليهم اللّه باسمِه معَزّيًا آخر يكون فيهم ويمكُثُ معهم إلى الأبَد لأنَّه روح، وهو يشهدُ لرسالةِ المسيح.

وَعدُ العَهد الجَديد

لم ينتظر تلاميذُ المسيح أو المسيحيُّون الأوائل أيَّ رسول ليأتي برسالةٍ جديدة. وقد فهموا كلّهم أنَّ المعَزّي المقصود هو روح اللّه. فقد أوصى المسيح تلاميذه ألّا يبرحوا أورشليم حتى يحلَّ عليهم روحُ اللّه «المعَزّي» (سِفر أعمال الرُّسُل ١ آية ٤ و ٥). وهذا ما حصل فعلًا. ومن هذه النّقطة، إنطلقت الرّسالة المسيحيَّة إلى كلّ المسكونة. وهذا هو ما وعد به المسيح حين قال لتلاميذه: «سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أعمال الرُّسُل ١ آية ٨). بل حدَّدَ لهم الموعِدَ وقال لهم: «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أعمال الرُّسُل ١ آية ٥). وهذا ما حصل بالفعل. فبَعدَ عشرَة أيَّام فقط من قطع هذا الوعد، حَلَّ عليهم روحُ اللّه المعَزّي، وأعطاهم قوَّةً، فكانوا شهودًا للمسيح في كلِّ مكانٍ حتّى وصلت رسالتُه إلى أقصى الأرض. لقد حدَّد المسيح الزَّمان والمكان لحلول الرّوح القدُس. الزَّمَان: «ليس بعد هذه الأيَّام بكثير». والمكان: «أورشليم». أمَّا محمَّد فجاء بعد أكثر من ستّةِ قرونٍ ولم يكن في أورشليم. ولو كان التّلاميذ ينتظرون مجيْءَ محمَّد لمكثوا في أورشليم طيلة حياتهم وماتوا من دون أن يحصل هذا الوعد.

كان يوم حلول الرُّوح القدُس على التّلاميذ يومًا مشهودًا في تاريخ الكنيسة، وما زالت الكنائس تحتفل به إلى اليوم. ويسَمَّى يوم الخمسين، لأنَّه حدَثَ بعد خمسين يومًا من قيامة المسيح من الموت، وبعد عشرة أيَّام من صعودِه إلى السَّماء. ويسمّى أيضًا عيد حلول الرّوح القدُس، أي المعَزّي. فلو كان المسيحيُّون قد انتظروا أيَّ شخص يجيْءُ بعد المسيح اسمُه أحمَد ما كانوا ليحتفلوا بعيد حلول الرّوح القدُس، وهو عيدٌ احتفل به المسيحيُّون قبل الإسلام بقرون. وحين حَلَّ الرُّوح القدُس على تلاميذ المسيح ظهرت عجائب ومعجزات مرافقة لحلوله، واستغرب الحاضرون فظنُّوا أنَّ تلاميذ المسيح سكارى، فتكلّم بطرس أحَدُ تلاميذ المسيح موضّحًا للحاضرين أنَّ حلول الرُّوح القدُس أمرٌ تنَبَّأ به أنبياءٌ آخرون قبل المسيح، فقال لهم:

«أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ في أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلاَمِي، لأَنَّ هؤُلاَءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ، لأَنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ النَّهَارِ. بَلْ هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَعَلَى إِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ» (أعمال الرُّسُل ٢ آيات ١٥ إلى ١٨).

لم يكتَفِ الرَّسول بطرس بهذا الكلام، بل استدَلَّ في كلامه على أنَّ السَيّد المسيح سكب عليهم الرُّوحَ القدُس بعد صعوده تمامًا كما وعد، حيث قال للحاضرين: «فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ. وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللّهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ» (أعمال الرُّسُل ٢ آيات ٣٢ و ٣٣).

وختم كلامَه بأن طلبَ من الحُضور أن يتوبوا إلى اللّه ويتبعوا السيّد المسيح فينالوا الرُّوحَ القدُس هم أيضًا، لأنَّ حلولَ الرُّوح القدُس متاحٌ لكلّ من يؤمن بالسيّد المسيح إيمانًا خالصًا. فقال لهم: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا» (أعمال الرُّسُل ٢ آيات ٣٨ و ٣٩).

الخُلاصَة

كان واضحًا جدًّا أنَّه لم يكن لدى الرَّسول وباقي التّلاميذ أيُّ شَكٍّ في هويَّة هذا الموعود. لقد علموا من السيّد المسيح نفسِه أنَّه الرّوحُ القدُس، روحُ اللّه المعَزّي، وعرفوه حينَ حَلَّ عليهم بالعلامات والمعجزات التي رافقت حلوله. فضلًا عن ذلك، فإنَّ كلَّ المسيحيّين الذين جاؤُوا بعد التّلاميذ لم ينتظروا أحمَدَ أو نَبيًّا أو رسالةً من بعد المسيح. فكتاباتُهم في أيِّ عَصرٍ من العصور كانت خاليةً من أيِّ توقّع من قبيل ذلك. بل كانوا متيَقّنين من أنَّ المسيحَ الحَيّ هو الألفُ والياء هو البداية والنّهاية، وأنَّه آخرُ رسول ورسالة من عند اللّه، وأنَّ المعَزّي الموعود ما هو إلّا روح اللّه الذي سوف يساعدُهُم في نشر رسالة المسيح في المسكونَة كلّها.

١٦. الوُضوءُ بينَ الإسلام والمسيحيَّة

يردّدُ المسلمون أنَّهم يتَوَضَّؤُون خمس مرَّاتٍ وأنَّهم أنظف من كلّ العالم، وأنَّ الوُضوءَ تمَّ تشريعُه لكي يقابل الإنسان ربَّه نظيفًا طاهِرًا. وبالمقابل يتّهمون المسيحيَّة بأنّها تعلّم الصَّلاة بدون طهارةٍ أو نظافة، فهل هذا صَحيح؟ هل الوُضوءُ يطَهّر الإنسان؟ وهل المسيحيَّة تعَلّم الصَّلاة بدون طهارة؟ هذا ما سوف نُجيبُ عنه في هذا الفصل.

لم يشرَّع الوُضوءُ لأجل النَّظافة

الوُضوءُ مجرَّد طقس تمَّ تشريعُه كباقي الطقوس، ولا دخل للنَّظافة به. والطّقس ممارسة يقومُ بها الإنسَان من دون السُّؤَال عن أسبابه أو الحكمة من ورائه. فهو لا يخضع للعقل، حيث إنَّه مجرَّد طقس. ولذلك قال علي بن أبي طالب عن الوُضوءِ نفسِه وعن الدِّين عمومًا: «لو كان الدِّينُ بالرَّأي لكان أسفلُ الخِفِّ أولى بالمسْحِ مِن أعلاه» (سنَن أبي داود) فأسفلُ الخِفِّ هو الذي يتعَرَّض للأوساخ، ولذلك وجب أن نمسَحَه من الأوساخ التي تعلَقُ به لو كان الغرَض هو النَّظافة، لكن في الإسلام يتمُّ مَسحُ أعلى الخِفِّ لا أسفله. فلماذا؟ لأنّه مجرَّد طقس، وعليك أن تقوم به من دون أن تستخدم عقلَكَ ومن دون أن يكونَ لكَ رأي.

لنفترض أنَّ هناك إنسانًا نظيفًا أخذ حمَّامًا بأحسن صابون موجود في العالم، وأحسن شامبو، هل يستطيع أن يصَلّي من دون وضوْء؟ لا طبعًا، إذ عليه أن يتوَضَّأ، ما يعني أنَّ الغرَضَ من الوُضوءِ ليس النَّظافة، بل هو مجرَّد طقس.

نواقضُ الوُضوء

من نواقضِ الوُضوء خُروجُ الرِّيح. فكلّما خرَج الرّيحُ من إنسان، عليه إعادة الوُضوء. فما هي علاقة خروج الرّيح بالنَّظافة؟ هل يتّسخُ الإنسان بمجرّد خروج الرِّيح منه؟ ما هي العلاقة بين خروج الرِّيح والمضمَضَة؟ لماذا يتوَجَّب علينا، حين يخرج الرّيح، أن نقوم بـ المضمَضَة وغسل الوَجه، مثلًا؟ فهل خرَجَ الرّيح من أفواهنا ولطّخَ وجوهَنا؟ تدلُّ جميعُ هذه التّفاصيل على أنَّ الوضوْءَ ليس الغرَضُ منه نظافةَ الإنسان، لأنَّه لا علاقة للنَّظافة بخروج الرّيح. فهي مجرَّد ريح.

الوُضوْء لا ينَظّف

لا ينظّف الوضوءُ الإنسان، لأنَّه يقتصر على بعض الأعضاء التي لا تجعل الإنسان نظيفًا. فغسل اليدين والمضمضة والإستنشاق وغسل الوجه ومَسح الرَّأس… إلخ كلّها أمور لا تجعل الإنسان نظيفًا بالضَّرورة. فماذا عن الإبطَين ورائحة العرق المنبعثة منهما؟ تكون صلاةُ إنسانٍ توَضَّأ مقبولةً، رغم أنّه تنبعث منه رائحة عرَق كريهَة جدًّا، فقط لأنَّه توَضَّأ.

وتشريعُ التّيَمُّم هو من الأدلّة الأخرى على أنَّ الهدَف من الوُضوء ليس الطّهارة. فحين لا يوجد ماء، على المسلم أن يتيَمَّمَ بالتّراب بحسب الآية القرآنيَّة التي تقول: «وَإِن كُنتُم مرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم منَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا» (سورة النّساء ٤٣). كيف يكون التّرابُ معوَّضًا للمَاء؟ ألا يحتوي التّراب على جراثيم وبكتيريا؟ ألا يكون الوَسَخُ من التراب؟ فكيف ننظّفُ الأوساخَ بالأوساخ؟ هل التّراب ينظّف من الغائط؟ طبعًا لا، فالتّراب لن يجعَلَنا نظيفين لمجَرّد أنّنا مسَحنا أوجُهَنا وأيديَنا منه، إنَّه مجرَّد طقس يقوم به المسلم من دون أن يكون له أيُّ مبرِّر عقلانيّ.

الطّهارَة الحَقيقيَّة

لا يجعل الوُضوءُ الإنسانَ طاهرًا من الخارج. وبالتّأكيد إنّه لا يجعله طاهرًا من الدَّاخل أيضًا. وإذا كنّا حقًّا نريد أن نقابلَ الإله علينا أن نكونَ أنقياء في دواخلنا لا في الخارج. فقد قال السيّد المسيح: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللّه» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ٥ الآية ٨) وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن نهمِلَ نظافَةَ الجسم، لكن نظافة الجسم لا تؤَهّلُ الإنسان لكي يكون طاهرًا روحيًّا أمام اللّه. طهارة الرُّوح شيْءٌ أعمق وأكبر من مجرَّد طقوسِ غَسلٍ خارجيَّة.

سأل رجالُ الدّين اليهود السيّدَ المسيح باستنكار عن سبب عدم تمسُّكِ تلاميذِه بالطقوس الدِّينيَّة مثل غسل الأيدي (حتى لو كانت نظيفةً) قبل تناول الطعام؛ إذ عَدُّوا ذلك خروجًا على طقوسِ الطّهارة (مثل الوضوء)، فقالوا له: «لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا؟» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ١٥ الآية ٢) أجابهم السيِّد المسيح قائلًا: «إسْمَعُوا وَافْهَمُوا. لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ… أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟ وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْبِ يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنًى، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. هذِهِ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. وَأَمَّا الأَكْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ» (الإنجيل بحسب متّى الأصحاح ١٥ الآيات ١١ و ١٧ إلى ٢٠).

الخلاصَة

تعاليم المسيح تسَلّط الضَّوْء على الخطايا التي تلوّثُ الإنسان داخليًّا، هذه هي التي تحتاج إلى طهارة، أمَّا غَسل الأيدي فلا يجعلُ الإنسان طاهرًا أمام رَبّه.

إنَّ نظافة الأبدان أمرٌ يحرص عليه الإنسان المتحَضّر اليوم كشَيْءٍ عاديٍّ ضمن أعماله اليوميَّة، ولا يحتاج إلى نصوصٍ دينيَّةٍ تعلّمُه ذلك. هذه النّظافة نظافة خارجيَّة لا تطهّر الإنسان روحيًّا ولا تجعله نقيًّا في قلبه. فالطّهارة الحَقيقيَّة التي ركّزَ عليها السيّد المسيح هي طهارة الرُّوح، طهارة الإنسان الدَّاخليَّة في أفكاره وضميره، هذه هي الطهارة الحقيقيَّة التي يحتاج إليها كلُّ إنسان.

١٧. ماذا تعرفُ عن المسيحيَّة؟

لا يعرف مسلمون كثيرون ما هي المسيحيَّة. إذ يكتفون فقط بما سمعوه يتردَّد من شائعاتٍ حولها. بل إنَّ بعضَهم يعتقد أنَّ المسيحيَّة هي مرادف للغرب. فهي في نظرهم توصي بالإنحلال الخُلُقيّ، والتَبرُّج، والسُّكر والدَّعارة… إلخ. فهل حقًّا المسيحيَّة هي كذلك؟

المسيحيَّة ليسَت هيَ الغَرب

بُنيَت المجتمعات الغَربيَّة على بعض المبادئ المسيحيَّة مثل الحرّيَّة واحترام حقوق الإنسان. وكانت بلدان غربيَّة إلى زمَنٍ قريبٍ تتكوَّن من غالبيَّة مسيحيَّة، لكن اليوم الوضع مختلف. إذ تغلب على معظم البلدان الغربيَّة النّزعة اللّادينيَّة، والإلحاد، واللّامبالاة بالدِّين عمومًا. بل توجد فيها أديان مختلفة. لذلك لا يمكن لوم المسيحيَّة على ما يوجد في الغرب وما ترَوّجُ له الأفلام من خلاعة وإنحلال خُلقيّ، فهذا لا علاقة للمسيحيَّة به. فالمسيحيَّة تعلّم عكسَ ذلك تمامًا. بل تتعَرَّض المسيحيَّة في الغرب للإنتقاد والسُّخريَة بسبب تحَفّظ أتباعها على أمورٍ كثيرةٍ غير أخلاقيَّة انتشرت في المجتمعات الغربيَّة.

المسيحيَّة والإنحلال الخُلُقيّ

توصي المسيحيَّة بالعِفَّة والطّهارة. فقد كان المسيح رمزًا للعِفّة، ولم تسَجِّلْ عليه الأناجيل أيَّ عمَل مُشين، بل يُعَدُّ المثالَ الأعلى للطّهارة والقداسة، إضافةً إلى اشتهار والدَتِه القدِّيسَة مريم بالعِفَّة والطّهر. فقد تحَدَّثَت عنها الأناجيل كونَها رمزًا للعِفَّةِ الجنسيَّة، وعَدَّها تلاميذُه أيضًا نموذجًا للقداسة والطّهارة.

الكتابُ المقدَّس زاخرٌ بالآيات التي تحذّر من الزِّنى مثلًا. فقد جاءَ في الوصيَّة السَّابعة من الوصايا العشر: «لا تَزْنِ» (سفر الخروج ٢٠ آية ١٤). ونجد في الوصيَّة العاشرة أيضًا: «لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِك» (سفر الخروج ٢٠ آية ١٧) وعندما جاءَ السيِّد المسيح أوصى بما هو أبعد من ذلك. فقد قال: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِه» (الإنجيل رواية متّى، الأصحاح ٥ آيات ٢٧ و ٢٨) فهل هذه الوصيَّة تنطبقُ على ما نراه من أفلام وما نراه في بلدان غربيَّة كثيرة؟

كذلك نجدُ بطرس، وهو أحَدُ أهَمّ تلاميذ المسيح، يخاطب المسيحيّين موصيًّا إيَّاهم أن يكونوا قدِّيسين مثلَ معلّمِهِم الذي دعاهم، أي مثلَ المسيح نفسه، فقال: «بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ» (رسالة بطرس الأولى ١ آية ١٥) وكذلك أوصى بولس الرَّسول في رسالته بالعِفَّة، حيث خاطب المسيحيّين في مدينة أفسُس قائلًا: «وَأَمَّا الزِّنى وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِين» (رسالة بولس إلى أهل أفسُس ٥ آية ٣).

ليس هذا فحَسب، بل نَهَى أيضًا عن المثليَّة الجنسيَّة التي صارت الآن منتشرةً في بلدان كثيرة. فهي ليست من التّعاليم المسيحيَّة. فالكتاب المقدَّس دانها بشِدَّةٍ وحَرَّمَها تحريمًا، حيث ورد فيه: «وَلاَ تُضَاجِعْ ذَكَرًا مُضَاجَعَةَ امْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ» (سفر اللّاويّين ١٨ آية ٢٢) وفي رسالة بولس الرَّسول لأهل مدينة كورنثوس، نجده يعلّم أنَّ مضاجعي الذّكور سوف يدانون على أعمالهم، حيث يقول: «أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللّهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُور» (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ٦ آية ٩).

هذا غَيضٌ من فَيض. فكلّ مَن يرتكب هذه الأعمال، حتى لو كان مسيحيًّا بالإسم، فهو يخالف تعاليمَ الإنجيل وتعاليم السيّد المسيح مخالفةً صريحة، ولذلك لا يمكن لوم المسيحيَّة على مظاهر الإنحلال الخُلُقيّ. بل ينبغي أن يُلقى اللّوم على مرتَكِبيها فقط.

المسيحيَّة ولباسُ الحِشمَة

يعتقد بعضُهم أنَّ المسيحيَّة تُعلِّم التَبرُّج، وتُشجّع أتباعَها أن يلبسوا لباسًا غيرَ لائق. وهذا غيرُ صحيح، فالمسيحيُّون مطالبون بأن يعيشوا حياةً تليق بمسيحيَّتِها. إذ يعلّم الكتاب المقدَّس النّساءَ المسيحيَّات أن «يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّلٍ، لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ، بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللّهِ بِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ» (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس الأصحاح ٢ آية ٩ و ١٠) لكن هذا لا يعني أن تُغطِّيَ المرأةُ نفسَها بالكامل بحيث تُطمسُ هُويَّتَها. المبالغة والتطرُّف في الإتّجاهين غيرُ صحِيَّة. فالتبرُّج الزَّائد والتعَرّي أمران لا يليقان، كما أنَّ التّغطية إلى درجة طمس ملامح المرأة أمرٌ لا يليق أيضًا. ويعني لباسُ الحشمة لباسًا لائقًا من دون إفراطٍ أو تفريط. المسيحيَّة لا تأمرُ بزَيٍّ معَيَّن مثل الحجاب أو النّقاب الموجود في الإسلام. فالأمر بارتداء زَيٍّ معَيَّن يعني أنَّه فرض. وأمَّا المسيحيَّة تُعَلّم المبدأ وتتركُ للمرأة حرّيَّة الإختيار بحيث تراعي تقاليد المجتمع الذي تعيشُ فيه وتلتزم بالذَّوق العامّ. اللّباس يتطوَّر ويتغَيَّر من مكانٍ إلى آخَر ومن مجتمع إلى سواه ومن زمَنٍ إلى آخر، لكن المبدأ لا يتغَيّر، المبدأ هو الحشمة في اللّباس.

المسيحيَّة والطّهارة الدَّاخليَّة

وفوق كلِّ هذا، تركّز المسيحيَّة على داخل الإنسان. إذ يمكن أن ترتدي نساءٌ كثيراتٌ أكثر الألبسة محافظة، لكن قلوبُهُنّ ممتلئَةٌ بالإنحراف والزَّيف. لذلك كتب الرَّسول بطرس أحد تلاميذ المسيح موصيًا النّساء قائلًا: «وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ، فِي الْعَدِيمِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللّهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ. فَإِنَّهُ هكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللّهِ» (رسالة الرَّسول بطرس الأولى الأصحاح ٣ آيات ٣ إلى ٥) لأنَّه ماذا ينتفع الإنسان إن كانَ المظهَرُ تقيًّا والدَّاخلُ فاسدًا؟

وقد واجه السيّد المسيح الذين يركّزون على المظاهر متناسين داخل الإنسان، ولاسيَّما المتدَيّنين الذين يجعلون المظاهرَ الدّينيَّة واجهةً لإخفاء الفساد الدَّاخليّ. قال لهم السيّد المسيح: «وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَارًا، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْمًا» (متى ٢٣ آيات ٢٧ و ٢٨).

الخلاصَة

جيّدٌ أن نلبَسَ لباسَ الحشمة، لكن الأفضل أن يكون مقترنًا بالنَّقاءِ الدَّاخليّ وطهارة القلب، فالدِّينُ والحجابُ واللّباس لا تُغَيّرُ الإنسان. وأمَّا التَّغيير الحَقيقيّ فيحصل داخل الإنسان. فإن كان القلبُ طاهِرًا، يكون الخارجُ أيضًا طاهرًا. لذلك قال السيِّدُ المسيح عبارةً خالدة: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللّهَ» (الإنجيل رواية متّى الأصحاح ٥ آية ٨).

«وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ»

يوحنّا 8:32